تماماً مثلما أخبر بشّار الأسد العالم منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة ضدّه، فإنّ المنطقة برمّتها تكاد أن تشتعل مثل بركان استفاق بعد خمود طال لعقود ولقرون طويلة.
في الأيام الأولى حذّر الاسد البعثي من أنّ النار ستشتعل من البحر المتوسط إلى بحر قزوين. وأنّ الفتنة الإسلامية ستكون البديل من سقوطه، أو الثمن الأكيد لذلك السقوط.. لن يكفي الخراب سوريا وحدها ولن تقتصر مفاعيله على شعبها إنّما ستطال أهواله أمماً وشعوباً شتّى ظنّت وتظن أنّ ثمن أفول الطغاة يفترض أن يكون أقل من ثمن صعودهم إلى السلطة وإمساكهم بها.
حتى الأمس القريب، أي حتى القصير وريفها ومحيطها وديارها، وحتى بانياس وقراها ومجازرها، كان التهويل الأسدي شبيهاً بتهويل الطغاة في تونس واليمن وليبيا، من أنّ البديل من أنظمتهم لن يكون سوى تعميم صقيع الإرهاب وتفكيك أوصال الكيانات القائمة وشيوع مناخات السلاح والعنف وطقوسهما الدموية والتدميرية.
تبيّن في الأمثلة السالفة، كما في مصر، أنّ قادتها كانوا مشاريع طغاة لم تكمل. هواة مبتدئون. فيهم رعونة التمثيل الفني أكثر بكثير من رعونة الذهاب إلى الفتك والقتل الجماعي وهتك الأعراض وتفتيت الدول وإشاعة العدم.. وأنّ عدّتهم الذهنية والسياسية، كما المؤسساتية بما فيها العسكرية والأمنية وغيرها، لم تكن ملائمة لإتمام إعلان يوم القيامة ووضع التهديد في موضع التنفيذ.
.. حتى الأمس القريب، كان الظن أنّ الأسد البعثي الأقلوي، لا يختلف كثيراً في طريقة تفكيره عن طرق أسلافه هؤلاء، وانّ وظيفة اللغة التهويلية المشتركة بينهم واحدة، لكن نتيجتها أيضاً واحدة: ذهب مبارك وبقيت مصر بناسها ومؤسساتها رغم كل شيء. وذهب بن علي وبقيت تونس بناسها ومؤسساتها رغم كل شيء. وذهب القذافي وبقيت ليبيا بناسها وفوضاها الموروثة رغم كل شيء. وذهب علي عبدالله صالح وبقي اليمن كما كان، وكما سيظل ويبقى رغم كل شيء! ولا جديد يوحي أو يؤشّر إلى نمط غير مألوف أو مسبوق في المراحل الانتقالية للثورات الناجحة!
قصّة الأسد البعثي ليست كذلك. وما كشفته يتعلق بمصائر عابرة للكيانات والديانات والثورات: دمّر سوريا وأحالها خراباً وانتظم أكثر فأكثر في الحلف الذي يلمّه مع إيران وأدواتها، ولم يتوقف أمام أي شيء. وذلك الحلف بدوره لا يتوقف أمام أي رادع في سبيل دوام السيطرة والنفوذ والسلطة ومغانمها ومعانيها وأهدافها وآفاقها المذهبية. لكن بسبب ذلك تماماً بتاتاً فإنّ معركة سوريا ستنتج حُكماً، كسراً متعدّد الطبقات والوجوه: لن يندحر الأسد وحده وإنما سيأخذ معه كل مقوّمات ومعاني وأهداف الحلف الذي يضمّه.
إلى هذا الحدّ قصّة الأسد كبيرة.. وحظّ المشرق العربي وشعوبه قليل!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.