النيّات الطيبة دفعت بعض الناس إلى الافتراض بالأمس أن الفترة الممتدة حتى موعد إجراء الاستشارات النيابية الملزمة ربما تكون كافية لإنتاج تفاهم يؤدي في حدّه الأدنى إلى تسمية رئيس حكومة وتقديم تشكيلة وزارية لا تستفز أحداً وتتولى الإشراف على الانتخابات النيابية... إلخ!
نيّات طيبة توازي السرائر النقية لأصحابها الباحثين من دون كلل عن فسحة ضوء في عتمة الاشتباك اللبناني المرير والدائم. وعن منصّة معقولة يقف عليها المتخاصمون ويستذكرون معاً أفضال الراحل أبو ملحم. ويعيدون الاعتبار لبداهة تغليب المصالح طالما أن الاصطفافات فعلت فعلها التفتيتي وانتهى المشوار!
واقع الحال لا يقترب من تلك السمفونية، ولا يتلاءم مع نغماتها. والأرجح مرة أخرى، أن يصدم أهل الممانعة الجميع. ويخرجوهم من طموحاتهم المستحيلة تبعاً للحاجة المصيرية للاستمرار بالإمساك الأحادي بتلابيب السلطة ومفاصلها ومغانمها الوفيرات.
عيّنات متفرقة، قدَّمَت في الأيام الماضية مؤشرات إلى استحالة تركيب حالة تسووية تفكك جانباً من الأزمة المتشعبة. أي توصل إلى إخراج الخلاف على الملف الحكومي في المرحلة الانتقالية الفاصلة عن الانتخابات، من سياق الصراع الاستراتيجي في المنطقة بمجملها الى اتفاق جزئي ومرحلي وعابر. يزيد في تدعيم جهود تنفيس الاحتقانات وتخفيف التشنجات، ويترك القضايا الخلافية الكبرى إلى فترة لاحقة... لكن حتى في ذلك، تضرب الاستحالة ضربتها تبعاً لجنوح الثنائي الممانع المعهود، نحو التمسك بنظرية كل شيء أو لا شيء.
حزب الله مأسور بحساباته العابرة للحدود والأكبر من الجمهورية. وميشال عون مأسور بهاجس الاستفادة القصوى من لحظة قوة حليفة لمحاربة أخصامه وإلغاء ما يمكن من معوّقات تحول بينه وبين تصليح اللبنانيين ودولتهم ومؤسساتهم وطريقة تفكيرهم وعيشهم... وبواسطة أمثلة وأدوات لا تقلّ فخامة ورخامة عن مثال جبران باسيل شخصياً!
المشكلة مزدوجة، لكن أساسها هو الطرف الأول أي حزب الله الذي لا يقدم أي إشارات إلى قدرته على الفصل بين الاستراتيجي والتكتيكي، وبين العموميات والتفاصيل, والكليات والجزئيات. أي بين مشروعه المناطح لإسرائيل وأميركا (معاً) وبين حاجة اللبنانيين إلى مناطحة مشكلاتهم وهمومهم الآنية واليومية والسريعة، المعيشية والأمنية والخدماتية. عدا عن الضرورة الحاسمة للحفاظ على وجود واستمرارية مؤسساتهم الدستورية الوطنية.
... لا يمتنع الحزب عن إظهار انعدام تلك القدرة على ذلك الفصل فحسب، بل يفعل العكس: يبالغ في خطابه وأدائه وفي الطخّ والضخّ والتوتير واختراع العداوات وافتراض كل خصم عدواً مبيناً..
قبل أن يتواضع ويعتمد الفصل، لن يجد اللبنانيون مساحة كافية لتنظيم شؤونهم ومداراة همومهم، لا في حكومة انتقالية ولا في انتخابات نيابية ولا من يحزنون!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.