8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

باريس ـ لندن: دمشق!

يَعبُر الفرنسيون والبريطانيون أخيراً، إلى الضفّة الأخرى لنهر الأزمة السورية. ويصلون إلى موعد كان يُفترض أن يصلوا إليه قبل عام من الآن على الأقل.
في موقفهم الداعي الى، (والعامل) على تسليح قوى المعارضة، استشراف للوجهة التي تذهب إليها الثورة. وقناعة بأنّ سوريا الغد تُبنى اليوم. والوقوف بعيداً عن أساسات ذلك البناء يسمح للغير بالتقدّم لتعبئة الفراغ. الفارق بينهم وبين الأميركيين وبعض الأوروبيين، هو أنّهم يرون في تسليح الجيش الحر ضرورة حتميّة لمنع تفلّت الثورة باتجاهات النصرة وأتباعها، وليس العكس.. ونظرية الخشية من وصول السلاح الموصوف نوعياً إلى غير أصحابه لم تؤدِ عملياً وواقعياً إلاّ إلى تمدّد الطرف المخيف وليس إلى تقلّص ساحات نفوذه.
غير أنّ الخلاف على التسليح، يضمر خلافاً أبعد مدى وأكثر خبثاً من شعاراته المعلنة. وكأنّ البريطانيين والفرنسيين يردّون سريعاً وميدانياً على احتمال تفلّت أميركي باتجاه حالة وسطى مع روسيا. وباتجاه الوصول إلى نوع من الاتفاق الثنائي بينهما على تركيبة مستقبلية لا تترك مجالاً لأحد آخر!
ويعرف الفرنسيون والبريطانيون الآن ما كانوا يعرفونه قبل عام، من انّ كل يوم إضافي للسلطة الأسدية في مكانها يعني ازدياد احتمالات ومخاطر تشظّي الجوار القريب. ووصول رهانات الأسد التفجيرية والتخريبية والتفتيتية إلى شيء من التحقّق. وإلى تسجيل أضرار من النوع البعيد المدى والأثر على شعوب دول المحيط السوري أوّلاً وعلى باقي شعوب حوض البحر المتوسط ثانياً وأكيداً.. وهو حوض تبيّن أنّه مليء بالكنوز والثروات النفطية، وصار من الضروري النظر إليه وفق القياسات الأوروبية في المجالين الأمني والاقتصادي تكتيكياً واستراتيجياً.
بالمعنى المباشر للمصالح، في الجغرافيا والسياسة والثقافة، فإنّ باريس ولندن معنيتان بسوريا ومواردها أكثر من الأميركيين والروس معاً. وبالمعنى التاريخي، فإنّ العاصمتين اللتين احتكرتا مطلع القرن العشرين رسم الخريطة الراهنة لمعظم دول العالم العربي، تتصرّفان وفق قياس غائب عن الأميركيين وحداثتهم: تشعران أنّهما تعرفان أكثر من واشنطن، المنطقة وطبائع شعوبها. ولديهما من المخزون المتراكم لتاريخهما المشترك، ما يكفي للجلوس في مقعد المحاضر الذي يُعطي دروساً للآخرين أيّاً كانوا، وليس العكس.
ذهابهما الآن بعد سنتين على اندلاع الثورة إلى حسم قرارهما بتسليح المعارضة السورية، يدلّ في كل الأحوال، إلى قناعة حاسمة بأنّ سلطة الأسد صارت من الماضي حتى ولو تأخّر الإعلان عن الفصل الختامي والأخير للحرب الدائرة.. كما يدلّ إلى قناعة موازية، بأنّ التفرّج من بعيد على ذلك التعاقب في الزمن وأحواله، لا يليق بعاصمتين صنعتا جلّ تاريخ المنطقة في الإجمال، ولا يصحّ أن يصبح نفوذهما ومصالحهما فيها، جزءاً من ذلك التاريخ!
الأهم من كل ذلك، هو انّ أبطال سوريا وأحرارها صاروا أقرب ما يكون إلى هدفهم.. وفي قلعته الأخيرة!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00