نعم. أصيبت 14 آذار بجروح بليغة، لكن 8 آذار تحتضر. وشبيح فكري يأخذ ما ليس له ويعتدي على الحقيقة، مَن ينكر الواقعة الأولى ويتحدّى وقائع الثانية. أو مَن يفترض انّ العدم الابادي الطغياني الأسدي وغير الأسدي يمكن له أن يدوم وينتصر!
أصيبت 14 آذار برشقات صديقة (أو ذاتية) أثّرت فيها أكثر بكثير من رشقات الترهيب والإلغاء الممانِعة التي لاحقتها وأصابتها على مرّ السنوات الماضيات.. وسيمضي وقت قبل أن يهضم السياديون والاستقلاليون والوحدويون اللبنانيون، ذلك الخطأ الذي أطاح بشطحة مشروع انتخابي فتنوي مفخخ، جزءاً لا يستهان به من تراثهم (ومشروعهم) السياسي الوطني الذي لم يسبق له مثيل منذ انتهاء الحرب الأهلية في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
كما سيمضي بعض الوقت، قبل أن يستوعب أهل ثورة الأرز مسبّبات تلك الردّة الصعبة. وكيف غَدَر الذكاء ببعض أصحابه وأخذهم إلى بقعة هواؤها مسموم ومياهها مليئة بالعفن. وكيف عاد الوهم التمييزي الذاتي والخاص وأطاح في لحظة واحدة أساسيات نهضوية مشتركة وعامة بُنيت بالعرق والدموع وأشعلت الأنوار في أحلام قيام دولة جامعة حديثة ومكتملة المواصفات تنهي وتختم بالشمع الأحمر على ما عداها من مشاريع وطموحات وأوهام فئوية!
وطبيعي أن يدبّ القلق بأضعاف مضاعفة نتيجة ذلك الجرح وتداعياته، خصوصاً وتحديداً لأنّه يأتي في لحظة انتقالية تغييرية حسّاسة وكبيرة واستراتيجية تمر فيها المنطقة برمّتها. ويُعتقد مبدئياً، وبكثير من التواضع، انّ ثورة الأرز تحديداً، كانت الفتيل المركزي الذي أشعل بارود تلك اللحظة، وقدّم الدليل العياني الأول والمباشر على القدرة الزلزالية الكامنة في تحرّك الجماعات المدنية سلمياً في وجه سلطة غاشمة ومدجّجة بكل أسباب القوّة والبطش والإرهاب.
وحديث ذلك القلق يطول، ويبقى مرهوناً بخواتيمه التي لم تطلّ بعد.. لكن بداياته مثل نهاياته، لن تغيّر شيئاً في وقائع الأحكام القائلة بأنّ أهل الممانعة ليسوا في أفضل حالاتهم بل في أتعسها، وليسوا في موقع المنتصر بل في موقع المحتضر.
.. الشموليون لا يقدمون حلولاً لأيّ مشكلة بل يفجّرون المزيد منها. ولا يبنون أوطاناً بل يسبّبون حروباً أهلية. ولا يبحثون عن دولة بل عن سلطة. ولا تعنيهم الانتخابات بقدر ما تعنيهم الانقلابات. ولا تهمّهم قياسات الرأي العام واتجاهاته بل قياسات القوّة ومقوّماتها. والطريق إلى السلطة في عرفهم يمرّ بتكليفات لا علاقة لها بالحداثة والأطر الديموقراطية وأساليبها وطرقها ومدارسها. بل بأشياء أخرى مناقضة تماماً! وذلك يعني في التفصيل السياسي المباشر انّ مشروعهم الانتخابي في لبنان هو وصفة مريضة لاحتراب أهلي أكثر مرضاً وفتكاً، ولن يمرّ! وإنّ عمقهم الأسدي في أزمة وجودية مصيرية معروفة النتيجة سلفاً وإن كانت مجهولة الأكلاف النهائية.. وإنّ عمق عمقهم في طهران داخل في تحالف وثيق، لا تنفصم عُراه ودرزاته، مع الجموح المؤدي إلى أزمة تلو أزمة.. ولن يطول الوقت قبل أن تفرض تلك الأزمات الخارجية والداخلية، منطقها الحتمي!
14 آذار معنية ومدعوّة إلى ترجمة حالتها في مشروع أكبر من اللحظة الانتخابية الإشكالية الراهنة. وإبلالها من جرحها يعني بقاء الروح في مشروع الدولة الوطنية التامّة في لبنان وقابليته للعيش، وغير ذلك، لا يعني سوى الذهاب بوعي أو من دونه، إلى الحالة الاحتضارية الخاصة بقوى 8 آذار والتي تعني في الباطن والظاهر، احتضار الوطن اللبناني.. أخيراً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.