8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السّحل!

ما الذي يجعل من واقعة سحل مواطن مصري في القاهرة صادمة ومهددة لكل التركيبة السلطوية المصرية، في حين أن سحل سوريا برمتها على أيدي التركيبة الأسدية يكاد أن يصبح خبراً من عادياتنا الشرقية... بل أداء آتياً من بطن تاريخ منطقتنا، ولا شيء يضايق فيه، سوى استذكار ذلك التاريخ!؟
وكيف قبل ذلك، لم يتحمل نظام حسني مبارك سقوط نحو 800 قتيل في الثورة عليه (وهو رقم مهول) فيما عدد ضحايا الطاغية الأسدي من قتلى ومفقودين وجرحى وسجناء ومهجّرين ومكسورين وحزانى يكاد يُعدّ بمئات الألوف إن لم يكن بالملايين... ومع ذلك لا يبدي أي إشارة نكوص أو تراجع!؟
وكيف فوق ذلك، لم يتحمل نظام زين العابدين بن علي واقعة إقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه، فسقط مثل ورق الخريف عن الشجرة التونسية، فيما السلطة الأسدية تكاد أن تعدم كل أسباب الحياة وشروطها في كل سوريا، وتبدي يومياً كل استعداد ممكن لإكمال ذلك الطريق العدمي, من دون أن تكنّ أو تستكين أو تتوارى أو تتراجع؟!
في محاولة الجواب، يصحّ الزعم بسهولة وبسرعة، أن الفارق بين مصر وتونس من جهة وسوريا من جهة ثانية، هو ذاته الفارق بين طبيعة وثقافة وممارسة الأنظمة في الدول الثلاث وليس بين شعوبها. وهو ذاته الفارق الظاهر منذ أكثر من سنتين بين الناتج البشري الإجمالي لضحايا الربيع العربي في الدول الثلاث!
في التراكم التسلّطي البعثي الفئوي الأسدي، كما في الذي سبقه، البعثي والفئوي الصدّامي في العراق، كان العنف العاري والمؤدلج أساساً بُنيت فوقه كل الركائز الأخرى. وبجرثومته نُخِرت أسس اجتماعية وعاداتية موازية، آتية من منظومة أخلاق وقيم وعادات وتقاليد معمرة... جرى تدميرها بدأب مُنظّم. والعبث بها بأساليب وطرق أوصلت الذات البشرية إلى الحضيض.
في بحر مخزون ذلك التراكم، يغرق الاجتماع السوري في موته المديد. ويواري ضحاياه ويواسي نفسه... وصدمة الموت عنده تبدو أخفّ من صدمة نكران ذلك الموت، أو أدلجته، أو المشاركة في ترسيخه وإتمامه من خلال إعانة الجلاّد، أو التنظير لأسبابه وإسباغ أوصاف نبيلة على أعماله المنحطّة!
ومهما بلغت الهلوسة التنظيرية الممانعة من مَدَيات تخريفية وتحريفية، فإنها في خلاصتها لا تستطيع أن تواري أو تُغطي أو تموّه حقيقة رقمية أبعد مدى من الأخلاق والسياسة، وأكثر إيلاماً من انعدام الطبائع البشرية في كل أداء منظومة الفتك المسماة سلطة الأسد... نعم في مصر وتونس، أنتجت النظم المتعاقبة المستندة في رأسها وجوفها إلى احترام الذات البشرية والكرامة الإنسانية مناخاً بقي صحّياً رغم مثالب الممارسة السوقية المرافقة لأداء الأجهزة العاملة في العتم. وذلك المناخ هو ذاته، الذي ولد ويولّد ضغطاً يوازي الجبال، بسبب سحل مواطن أعزل (وليس قتله!) أو إحراق بائع لنفسه لأنه رفض أن يعرض كرامته مع الخضار التي كان يبيعها... وذلك المناخ المدني المديني هو ذاته الذي تحدّى آلة العسس وانتصر عليها ثم دفع بالنظامين القائمين إلى الانحناء والتقهقر! وهو ذاته الذي يضجّ اليوم بواقعة سحل مواطن أعزل في القاهرة..
في المقابل، أنتجت وتنتج ثقافة العنف الأسدية موتاً لا يُضاهى في سوريا... ومناخاً تدميرياً فائضاً على اللحظة السياسية والجغرافيا الطبيعية والتاريخ العربي في مجمله!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00