العاصفة التي هبّت يوم الخميس وكادت أن تفعل ما تفعله العواصف بالبشر والحجر والشجر، ليست إلاّ واحدة من بنات المناخ الانتخابي الذي ركب فوق اللبنانيين في الآونة الأخيرة، وكان مشروع الفرزلي أول غيثه المدرار!
والمناخ الانتخابي ذاك هو بدوره النتيجة المُثلى للأداء السياسي والإعلامي الذي أنزلته ثقافة الممانعة والوصاية المزدوجة على الحياة اللبنانية في مجملها في السنوات السبع الماضية تحديداً.. وكان من إحدى ترجماته تطوير لغة الإمحاء والإقصاء والفرض والإكراه باتجاه الميدان والنواحي التطبيقية والعملية!
صحيح أنّه ليس جديداً، حديث التفتيت والشرذمة في لبنان. ولا ابن ساعته أو لحظته السياسية أو الانتخابية. لكن الصحيح أيضاً هو أنّ المدَيَات التي وصلها أخيراً كانت نتيجة ذلك الدأب التعبوي الوصائي والممانِع، على إشاعة معادلة لم تكن مألوفة سابقاً بهذه السعة والوضوح: العجز عن مواجهة المد الاستقلالي يُعوّض بحديث الخيانة. والرد على شيوع لغة الحياة والورد والأخضر، بإشاعة لغة القتل والشوك والأسود الفاحم.. والحسابات الانتخابية الناقصة تعدّلها ممارسات الحديد والنار! وذلك في لغة أخرى، يعني في مبتدئه وختامه، حركشة المطامر الخلافية الكامنة أو المدفونة، وردفها بأسباب الاستيقاظ والتسعير والإنشاء.. أي تهيئة كل الموجبات الكفيلة بتحويل الدنيا إلى بركان متفجّر!
قد يُلام بعض السياديين والاستقلاليين بالمفرّق على ذهاب بعض خطابهم باتجاه الفخ التفتيتي. لكن خطاب أهل الممانعة يُلام بالجملة وبكليّته. ولا يمكن لأي قياس أن يضع الفعل وردّ الفعل في المستوى ذاته. خصوصاً وأنّ ذلك الانكسار البيّن في الميزان، بين الأداءين والأمرين والخطابين، لا ينكره إلاّ صاحب غرض أو قاصر أو مفترٍ.
سهلٌ اتهام الآخر بكل المثالب والرزايا. لكن الأسهل منه هو إرفاق الاتهام بالمستندات والأدلة والوقائع! وهذه، في حالتنا تحديداً، متوفرة بكميات كبيرة وحرزانة منذ اللحظات الأولى لانكسار حالة السلم التي تلت اتفاق الطائف، من خلال جريمة 14 شباط 2005 وما تلاها من جرائم، ثم من خلال الأداء التحريضي التزويري، الفاجر والمريض الذي رافقها ولم تكلّ يمين أصحابه حتى الآن.
.. قد تكون وقائع يوم الخميس تفصيلاً عابراً في المتاهة اللبنانية، لكنه تفصيل لا يشبه ما سبقه، بل بدا وكأنه تتويج مزدوج من قبل الفاعل والمتلقي، للحصاد الذي زرع بذوره أهل المشروع الممانع وسهروا على نموه ووصوله الى مواصيله الراهنة، قاصدين من خلاله منع المنطق السيادي والاستقلالي من التسيّد والانتشار، ثم تأكيد منحاهم العام: إما أن نحكم ونتحكم وإمّا الطوفان. ولا سقف يحد الطموح والجموح، أياً يكن ذلك السقف.
أداء ممنهج ومدروس ومقصود من أول حرف فيه الى آخر.. متفجرة. وكل خميس وأنتم بخير!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.