تأتي النوازل تباعاً كأنّها تتناسل من بعضها البعض. ومع ذلك لا يختلّ الميزان تماماً ولا تصل الدنيا إلى نقطة العدم، بل دائماً هناك حالة تُعيد القياس إلى سويّته. وتذكّر الجاحد بأنّ وراء كل ليل نورٌ وضّاء.
ولأتكل على الله وأقول الأمر كما أراه: كان يمكن للوضع اللبناني أن يكون أسوأ بما لا يُقاس ويُطاق ويُحتمل لو كان في قمّة الجمهورية شخص آخر غير الرئيس ميشال سليمان... إنسَ تفاصيل السياسة وعموميّاتها، وحسابات الناس وسعيهم الطبيعي (المشكور والمنبوذ) إلى تأكيد ذواتهم وتدعيم حالاتهم وحفظ مصائرهم في زمن التيه وجنون أهل الشموليات والديكتاتوريات والممانعات، وتذكّر في الأساس، أنّ الليل اللبناني كاد يصير مؤبّداً بعد أن صادر هؤلاء كل المشاعل وأحالوا سوادهم مصدر الضوء الوحيد.
كادت عتمتهم أن تُنسي البشر نور الشمس: صاروا هم الأصل والقياس والمطبعة ومختبر فحص الدم. مَن يقول قولهم حتى لو كان أرذل البشر، وألعن الانتهازيين وأفسد الفاسدين وأكبر المشعوذين وأوّل الحاقدين ورائد المبتذلين وعَلَم المنافقين وأحطّ المتذاكين، أعطيت له شهادة الدم النقي، وأُلبس وشاح الممانعة والمناتعة، وصار في عُرفهم قياساً يُؤخَذ ومثالاً يُحتذى!
كادت هذه الدنيا أن تركب بالمقلوب تماماً... شراسة هؤلاء في الغيّ، أسكرت أهل الحق. ودأب الفجور، عطّل أهل الحياء. وصلافة الافتراء، أربكت أهل اليقين. وشيوع التجنّي والتخوين، زعزع أهل الضمائر وشتّت قواها. واعتماد القوّة وتصريف أفعالها ميدانياً، حَشَر الشجعان والأحرار وضيّق على صدورهم، حتى صار الجهر بالانتماء الوطني مذمّة. والتزام مصالح اللبنانيين تهمة. والدفاع عن الكيان جريمة. وإنزال الأثقال الهائلات عن الأكتاف التعبات ارتباطاً مشبوهاً. والسعي إلى حفظ دماء اللبنانيين وأرزاقهم عمالة. وحفظ القسم إدانة. والتمسّك بالكرامة الشخصية والوطنية، خيانة.. صار الجهر بالحقيقة رديفاً عند هؤلاء للكفر. وصار كشف الإجرام والإرهاب واستباحة دماء الناس فعلاً يستحق التأديب من التفجير والقتل إلى إطلاق لغة العسس وسمومها.
محطتان كبيرتان (على سبيل المثال فقط) بانت فيهما ألطاف القدر باللبنانيين. الأولى بعد انكشاف المخطّط الإرهابي السوري الذي حمله ميشال سماحة. والثانية بعد انكشاف المخطط التفتيتي لـمشروع الفرزلي. وفي المحطتين، كان يمكن للقنوط المدمّر أن يطغى على كل شيء لو لم يلتزم صاحب القسم الرئاسي بقسمه. ولو لم يحترم منصبه وشرفه الوطني. ولو لم يُظهر شجاعة الفرسان والصناديد في وجه الجلاوزة والأشرار... والحكمة المكينة في وجه قرّاء اللحظة الذين أخذهم الشطط مأخذ الشيطان إلى التفتيت والتشرذم الانتخابيين.
... أهل الضمائر والكرامات الجليلات والمكرمات الوطنية الصافيات... أهل الحرية الموازية للكيان والسيادة الحافظة للبنيان، والاستقلال الرجاء... أهل الدولة ومشروعها ووحدانيتها. أهل الشرعية والدستور والمؤسسات. أهل التنمية والحياة. أهل البراءة والظنّ الحسن باللبنانيين وطبائعهم وبقدراتهم على اجتراح وحدتهم وصون عروتهم وإعمال ذكائهم وإطفاء غرائزهم. أهل التراث والحداثة والضوء والأنوار. أهل الشهداء الأحياء والأموات. أهل الآدمية ومكارم الأخلاق... يفتخرون برئيس جمهورية اسمه ميشال سليمان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.