لا يسرّ الخاطر من قريب أو من بعيد، ذلك المناخ الانتخابي المسيطر على الجمهورية وأهلها في الإجمال، والسياديين والاستقلاليين منهم تحديداً وخصوصاً ومباشرة.
وكأنّ واحدة من ملكات الانتباه الاستثنائي نامت فجأة تحت وطأة اللحظة السياسية، وتركت خلفها المدار واسعاً لغفلة لا تليق بأحد.. وخصوصاً منهم الذين عجنتهم السنوات السبع السابقات بيومياتها وحوادثها وكثافتها واستثنائيتها ودمويتها ونضالاتها، والذين راكموا من الوعي ما يكفي مبدئياً للانتباه إلى الألغام وتفادي الدعس عليها.
مداراة اللغة وضرورات لجمها تفرض شروطها.. لكن ليس من بين تلك الشروط منع تقديم بيان الزعل من أداء، لم ينتبه أصحابه إلى مدى خطورته السياسية والمعنوية. ولم يروا قبل ذلك، اللغم الانتخابي الذي زُرع بين أقدامهم.. أو رأوه وظنّوا أنهم أشطر من صنّاعه وزارعيه ويمكنهم القفز فوقه من دون تفجيره.
والحاصل أنّ لغم الفرزلي فعل فعله، وزحط البيان مرّة أخرى إلى مربّع أوّل! وإلى زاوية بناها الممانعون على قياس السياديين والاستقلاليين وتمكنوا من حشرهم فيها.. وكادوا أن ينجحوا في خنق الجميع بدخان أسود يطمر ويطمس ويعمي البصائر والأبصار عن واحدة من أنبل (وأنجح) تجارب تلاقي لبنانيين على مشروع وطني مؤسساتي دولتي عابر للتاريخ.. والجغرافيا الطائفية والمذهبية سواء بسواء.
لحظة المزايدة بدت أكبر من تلك التجربة التي رعى أصحابها تفاصيلها بأثمان باهظات وغاليات بقدر غلاوة الأرواح التي أزهقت والدماء التي سُفكت.. وسكرة الخشية من قدرة الآخر الفاجر التاجر والقادر على البيع والشراء من دون أي ضوابط أو أخلاق على التقدّم في مجال الحرص على الحقوق، أضاعت فكرة التنبّه إلى بديهيات الخطاب الداعي إلى إعلاء شأن لبنان ووضعه وأهله أولاً وقبل أي شيء وأي آخر. والأخطر من ذلك أنّها شوّشت على الرادار اللاقط لمناورات أهل الممانعة والوصايتين، ومنعت رصد محاولاتهم الدؤوبة والنشطة والمتوقّدة والمستنفرة دائماً وأبداً لتحطيم كل نَفَس سيادي وطني وبأي طريقة ممكنة.
.. مشروع مريض وضعه خبيث سياسي صاحب غرض. ظاهره انتخابي، وباطنه استحواذي إلغائي تفتيتي. وهدفه الواقعي، طالما أنّ مَن وضعه هو أوّل مَن يعرف استحالته، هو تسميم مناخ السياديين والاستقلاليين ليس إلاّ، وإعادة فرز المواقف وردّها إلى اللغة الناشفة التي ثبت بالتجربة المرّة والمريرة، أنّها لا تنتج أي جملة مفيدة لا على المستوى الذاتي ولا على المستوى العام، ولا على المدى القريب ولا على المدى البعيد.
وليمة مسمومة، أكل منها البعض منّا. مع أنّ هويّة صاحب الدعوة كافية في ذاتها لتنبيه الجميع إلى السمّ المدسوس في الدسم!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.