8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في المقدّمات والنتائج

الكلام الوحدوي الجميل الذي قاله خالد مشعل في غزّة قدّم ويقدّم تتمّة جليلة للإنجاز السياسي والديبلوماسي والإعلامي الذي حقّقه الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة. وجاء في وقته تماماً. إذ، كان طبيعياً بعد أن أقرّت 138 دولة بـالحق الفلسطيني وبـشرعيّة الدولة رغم خريطتها المغيّبة بالاحتلال، أن يقرّ الفلسطينيون بحيثياتهم التنظيمية الوطنية، ويعيدون الاعتبار إلى وحدة حالهم تحت مظلتهم الوحيدة المتمثّلة بمنظمة التحرير.
وإلى النبرة السخية في حرارتها وصدق نيّاتها، فإنّ كلام رئيس المكتب السياسي لـحماس في غزّة، ما كان ممكناً أن يُقال لو بقي في دمشق. وهذه حقيقة لا تعوزها الوجاهة، تماماً مثل الحقيقة السابقة لها والقائلة بأنّ ضحايا الربيع العربي، في نتيجته، يمتدّون من طرابلس الغرب إلى دمشق إلى طهران.. مروراً بتل أبيب!
الانقسام الفلسطيني كان جزءاً من أكلاف ومقوّمات المشروع الممانِع. مثله مثل الانقسام اللبناني المديد، وغير ذلك من مشاريع تفتيتية لم يتح لها المجال للبروز والتبلور إن كان في البحرين أو في اليمن، والتي تُعيد في مجملها التذكير بالمفارقة القائلة إنّ أكثر الصارخين بـوحدة الأمّة هم أوّل العاملين على تفتيتها! وفي هذا لا ينفع الشعار الكبير أمام الحقائق الصغيرة. وهذه دلّت سابقاً إلى أنّ أهل الممانعة توسّلوا كل غلط لمحاولة التأكيد أنّهم على صواب! وأوّل ذلك الغلط كان البحث عن بناء مراكز النفوذ وحيثيات الأدوار الكبيرة من خلال تقسيم الكيانات الوطنية المستهدفة والعصيّة، وتغييب الدور المركزي للسلطة الجامعة فيها، وتظهير كل أسباب التمايز والاختلاف بين مكوّناتها ووضعها في مقدّم جدول الأعمال وفي صدارة القضايا المصيرية!
بسطوة الشقّ الإيراني من محور الممانعة وأدواته المحلية، بعد تراجع الدور الأسدي المباشر، كان ولا يزال ممنوعاً في لبنان مثلاً، تقديم التحيّة لأيّ خطاب وطني جامع. ولأيّ مشروع يُعيد للدولة حضورها واقتدارها واعتبارها وسلطتها وسطوتها. ولأيّ محاولة فعليّة لإنضاج شيء من التعايش بين السياسات المختلفة والتوجّهات التي تحفظ لكل ذي حق حقه... لأنّ الورقة كي تكون فعّالة وثقيلة الوزن والتأثير، يجب أن تكون واضحة، صافية وبلا تلوين وخربشات، وإلاّ لن يقرأها متلقّيها (الغربي!) كما يجب.. والساحة، كي تكون فعّالة في استخداماتها الاقليمية والدولية، يجب أن تظلّ ساحة ومستباحة وعرضة للفوضى المضبوطة وألا تقوم فيها قائمة لأيّ سلطة مركزية فعّالة، أو لأيّ محاولة لتحويلها إلى منصّة توحيدية حقيقية.
... لم يشهد الفلسطينيون في كل تاريخهم الكئيب (والمشرّف في تحدّيه) انقساماً دموياً كبيراً وحقيقياً إلاّ في حقبتين تتمّمان بعضهما بعضاً. الأولى بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وبدفع مباشر من سلطة الأسد الأب. والثانية بعد الانسحاب السوري من لبنان وبدفع مباشر من الأسد الابن والنظام الإيراني.. أكبر نكبتين عربيتين في التاريخ الحديث اللاحق لنكبة العام 1948، كانتا الحرب الأهلية اللبنانية والحرب الأهلية الفلسطينية، وفي الحالتين تاجرت أنظمة الممانعة بكل شيء متوفر فيهما، وأوّل ذلك وأعزّه وأغلاه، دماء الناس وأرواحهم وأرزاقهم وكياناتهم وأحلامهم.
... ما كان ممكناً أن يُعيد الفلسطينيون الاعتبار إلى حقائقهم الأولى، عن وطنهم ومنظمتهم ووحدتهم المقدّسة لو لم ينكسر ذلك المحور الممانِع في عموده الأسدي. ولو لم يحمل الحراك العربي المتناثر كأشعة الشمس، نَفَساً كاشفاً لكل الطغيان التجاري بالشعار المركزي المتحدّث عن مواجهة إسرائيل وأربابها! ولو لم يتبلور ذلك التناقض العميق بين الشعار وطبيعة الأنظمة التي تطرحه، ولو لم تُكشف وتُرى تلك الوظائف التدميرية لتلك الأنظمة.
نعم، إسرائيل في أزمة لانّ خطوطها الدفاعية تنهار الواحد تلو الآخر، في نظام الأسد وأمثاله. ولولا ذلك لما تمكّن مشعل من الدخول إلى غزة وإطلاق أنشودة الوحدة الفلسطينية الخلاّبة!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00