8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في العقاب الفلسطيني

لم يتأخر بنيامين نتنياهو في الانتقام من ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، وبما توفر لديه من أدوات وإجراءات... وهي مؤلمة ومؤثرة لكنها غير حاسمة: أعلن ضخ المزيد من البناء في المستوطنات. وجمّد تحويل عائدات أموال مستحقة للسلطة الوطنية. وسيفرض المزيد من الإجراءات الميدانية على الحواجز الإسرائيلية داخل الضفة وبينها وبين الخارج.. إلخ.
وذلك ثمن صغير (متوقع) لخطوة كبيرة. علماً أن القيادة الفلسطينية كانت، قبل ذهاب الرئيس محمود عباس إلى الأمم المتحدة أشارت بوضوح إلى تهديدات جدية تلقتها وضغوط كبيرة مورست عليها لمنعها من الدقّ على وتر الشرعية الدولية، وطلب شيء من الانصاف لآخر شعب في عالم اليوم لا يزال يعيش (أو يموت) تحت الاحتلال الواضح والمقنّع سواء بسواء.
ثمن صغير نسبياً، إذا قيست أمور المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية بتاريخها وراهنها وبجملتها وجزئياتها. وهو بهذا المعنى ثمن لا يُذكر: لا وتيرة البناء في المستوطنات متوقفة أصلاً، ولا المَدَد المالي كان هاطلاً بالهيّن على السلطة وأجهزتها وعمّالها في رام الله، ولا الإجراءات المتخذة عند حواجز الاحتلال كانت قليلة أو مخفّفة.. وهي الحواجز التي تجعل من المناطق الفلسطينية مثل الجزر المتفرقة في بحر من السلاح والحديد والحضور الإسرائيلي، تجعل من التنقل بينها معاناة لا مثيل لها في أي مكان آخر.
وعليه فإن العقوبات الإسرائيلية لن تغير شيئاً كبيراً في معاناة الفلسطينيين. في حين أن خطوة الرئيس عباس في الأمم المتحدة، كانت عبارة عن عقاب تاريخي للإسرائيليين نُفّذ بأدوات شرعية دولية وبنجاح كبير.
ومن جديد تحلو المقارنات: عودة الرئيس عباس من نيويورك إلى رام الله بالأمس تشبه عودة الرئيس الراحل ياسر عرفات إليها بعد اتفاق أوسلو. في المناسبتين عاش الفلسطينيون لحظات تشبه الحلم, وجددوا إعلان براءتهم التامة من الفناء ومحاولاته. وانتصارهم الأخّاذ على الممحاة الإسرائيلية.. وفي المناسبتين عبّروا عن جمالية الانتقام من العبث. ونقلوا دهشة الهزائم إلى الجانب المحتل واللصوصي. كأنهم قبضوا أخيراً على العصب الجارح في الجسم الإسرائيلي وأخذوا يشدّون عليه: الشرعية الدولية باب فُتِحَ بعد فتح الأبواب السياسية والإعلامية في الغرب تحديداً والتي كان الإسرائيليون يحتكرون حمل مفاتيحها. وبعد الايغال في استخدام اللغة التي تصيب في ذلك الجسم أوجاعاً كبيرة.. إسرائيل لا تخاف لغة الصواريخ بل تعيش عليها. ولا تخاف اللغة النجّادية الافنائية بل تنتعش بها. وهي في الأساس، الدولة الوحيدة في العالم التي انتكست بانتهاء الحرب الباردة، وما كانت تتمنى تلك النهاية.. وتيقنت بعد ذلك، ان العالم انتبه، إلى أن دور الضحية الدائمة شارف على نهايته وبنك الهولوكوست أفلس أو يكاد! وان القيادة الفلسطينية, مع عرفات بالأمس وعباس اليوم، ساعدت وتساعد المخرج على إنضاج تلك النهاية، وإسدال الستارة على فصل طال كثيراً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00