في العام 1974 ذهب الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة وقدّم عرضه المزدوج والشهير عن غصن الزيتون والبندقية.. فردّت إسرائيل والمنظومة الغربية على ذلك الاختراق الديبلوماسي والسياسي الخطير بإشعال الأرض تحت أقدام منظمة التحرير وإشغالها بمحيطها إلى حدّ الاستنزاف المميت.
اليوم يعاود الرجل الشجاع محمود عباس سلوك طريق المنظمة الدولية في سياق مشابه في العنوان ومختلف في التفاصيل. وفي زاوية ما، يحمل، كما سلفه التاريخي، نَفَساً متحدياً يوازي (أو يتمّم) الدأب المتحدّي اليومي المباشر على ممارسة طقوس استقلالية (وإن كانت ملتبسة) في وجه إدارة إسرائيلية تحنّ إلى أيام العبث اللفظي النضالي الذي ساد المرحلة السابقة وسمح لها بالعربدة الإلغائية لأي حق من الحقوق الفلسطينية.
يذهب محمود عباس إلى المنظمة الدولية لتأكيد شرعية فلسطين بغضّ النظر عن غياب الكيان وغموض جغرافيته. ويدقّ بذلك على أكثر الأوتار الإسرائيلية حساسية: حضور الكيان الغاصب ووضوح جغرافيته (غير النهائية) لا يكفيان لا اليوم ولا غداً للإقرار بـشرعيته ولا نسيان طابعه الاحتلالي الأول. كما لا يكفيان في المقابل، لأن يقتنع العالم بالفكرة الصهيونية اللاغية والنافية للحضور الفلسطيني في التاريخ والجغرافيا.
والهستيريا التي أظهرتها وتظهرها حكومة نتانياهو، والطبقة السياسية الإسرائيلية عموماً في الواقع، ازاء الخطوة الفلسطينية، إنّما تدلّ إلى ذلك البُعد الخطير والاستراتيجي، كما إلى مأزق استحالة الرد المناسب عليها: رحلة عرفات إلى الأمم المتحدة حصلت في عزّ الحرب الباردة وفي ظل تشظّي وقائعها ومواجهاتها على مساحة تمتد من جنوب شرقي آسيا إلى أميركا اللاتينية وأفريقيا مروراً بالشرق الأوسط.. وفي عزّ فخ الانفلاش الفلسطيني في لبنان. ما سمح في تالي الأمر، بالرد العقابي عليها بالطريقة التدميرية المناسبة!
اليوم المشكلة عويصة وكبيرة: الحرب الباردة مندلعة في الواقع بين واشنطن ومعظم العواصم الغربية من جهة وتل أبيب من جهة ثانية. والانفلاش الفلسطيني في الداخل وليس في الخارج. والأفق العام، ولو على مستوى الشعار، هو أفق بحث عن شروط إكمال تسوية تبني كياناً فلسطينياً على حساب تقليص الكيان الاحتلالي الإسرائيلي وليس على حساب غيره!
لن تقدم أو تؤخراً كثيراً، خطوة الرئيس عباس في السياق السياسي القريب والمباشر، بل ستزيد أزمة المفاوضات تأزّماً وتوتّراً، لكنها في السياق النضالي الفلسطيني العام تعيد الأمور إلى نصابها الأوّل والأساس والأهم: الشرعية لفلسطين التاريخية وإن غابت بالاحتلال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.