8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لافروف.. مجدّداً

لم يكذّب وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف خبراً، لا في شأن طبيعته الشخصية ولا في شأن سياسته، التي هي في نهاية المطاف سياسة الحكومة الروسية وخريطة طريقها إلى المياه الدافئة مجدّداً (؟).
غير أنّ الحيرة هذه المرّة هي عنوان قراءة آخر وأحدث المواقف اللافروفية من الوضع السوري، باعتبار أنّ شيئاً ما استجدّ ودفع بالتاجر الروسي إلى رفع السعر الذي يطلبه، بعد أن كان عرض سلعته في جنيف وغيرها، وفيها مقوّمات كافية لقبول البحث في سوريا ما بعد الاسد.. كما أنّ معظم الذين استمعوا إليه على مدى الأشهر الماضية أنصتوا تماماً إلى أنشودته عن عدم التمسّك بشخص رئيس النظام وإن كان المطلوب في المقابل الإبقاء على ذلك النظام!
في الشخصي قبل العام، كان لافروف في اجتماعه الأخير مع الوزراء الأوروبيين في لوكسمبورغ مساء الأحد الماضي، على عهده: عصبي المزاج والقول. عدائي. هجومي. أحمر الوجه. سريع التعبير والانفعال. وكأنّه داخل في مشكلة شخصية وليس في نقاش سياسي دولي، كل كلمة فيه يُفترض أن توضع في مكانها بدقّة، وأن توزن قبل قولها بميزان حسابات تتعلق بأرواح ومصائر بشر بالمئات والآلاف بل وبعشرات الآلاف، وبدولة مركزية وأساسية يجري تحطيم كل ما فيها وعليها من قِبَل طغمة فئوية حاكمة!
في الشأن العام، كان مفاجئاً لبعض مَن استمع إليه سابقاً. والافتراض السريع، أنّ التغيير في الموقف باتجاه التصعيد بدا تعبيراً عن انزعاج وضعف، أكثر من أي شيء آخر. وكأنّ موسكو ترفع سعر موقفها ليس لأنّه صار مرغوباً ومطلوباً أكثر، بل العكس تماماً، لأنّها شعرت وتشعر أنّه لم يعد ذا قيمة ردعية فعلية، في ضوء الاستعدادات القائمة على قدم وساق في تركيا وغيرها من أجل ملاقاة أي خطوة استفزازية أسدية بما يناسبها حتى لو وصل الأمر إلى مواجهة عسكرية مفتوحة!
لم يعد الأتراك يأخذون في الاعتبار أي عنصر إضافي، لا روسي ولا إيراني ولا صيني، في الأزمة الثنائية المفتوحة على التصعيد مع نظام الأسد. ولذلك فإنّ نصف ورقة الابتزاز الروسية احترق، والنصف الآخر مرشّح للاحتراق في أي لحظة. إذ انّ الإعلان عن دعم الأسد في السياسة والمواقف والتذخير شيء، وترجمة ذلك الإعلان في الحرب شيء آخر تماماً.. وإذا كانت موسكو هنا تشعر بحراجة موقفها، فلتسأل ربيبها الدمشقي قبل غيره عن السبب!
عدا عن هذا، فإنّ موسكو تعرف أكثر من أي طرف خارجي آخر، طبيعة ما يحصل ميدانياً داخل سوريا. تعرف أنّ حليفها يتراجع ولا يتقدّم. ويخسر ولا يربح. وأنّ الموقف الاقليمي والدولي المناوئ، يواكب ذلك الحراك ولا يتزحزح في شروطه ومواقفه، بل على العكس يصعّد الضغط بالعقوبات وغيرها، ويضع كل قرار موضع التنفيذ المباشر.. حتى لو كان يعني ذلك إنزال طائرة ذاهبة من موسكو إلى دمشق وعلى متنها مواطنون روس، في قاعدة عسكرية تركية وتفتيشها ومصادرة حمولتها المشبوهة!!
هذا هوان كبير. ورمي لقفّاز التحدّي في وجه موسكو مباشرة، وهي مثل التاجر الشاطر تعرف أنّ التجارة تبور في مناخ التوتر والاستنفار والنار والحروب.. ولا تريد لتجارتها في الأزمة السورية ذلك المصير بالتأكيد.
في المحصلة، أرادت موسكو في إعلان تصلّبها إرسال برقية قوّة، فجاءت هذه دلالة إلى ضعف استوجب رفعاً للصوت لتغطيته، ليس إلاّ.. وهي التي تعرف كما غيرها، أنّ مصير الأسد يتقرّر فعلياً في داخل سوريا وليس في خارجها. وذلك الداخل أخذ قراره منذ 19 شهراً ويتعب كل جهده من أجل وضعه موضع التنفيذ، رضيت موسكو أم غضبت، وصرخ لافروف أم صمت!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00