8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ركائز الطغيان

مشغول عالم اليوم ببقايا عالم الأمس.
ويكاد جُلّ الانشغال السياسي الأمني العسكري يتركّز في أربع نقاط مركزية لا تزال أسيرة طغيان ممتد من حقبة الحرب الباردة، وتعود جذوره إلى ما قبل بداياتها، أي إلى مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية التي حملت نظريات ورؤى أدّت في النهاية إلى تلك الحرب وإلى أهوال طالت البشرية الحديثة في كل بقعة سكنت فيها.
من كوريا الشمالية إلى سوريا، إلى إيران، إلى إسرائيل.
ليست صدفة أن تكون النقاط المركزية الأربع تلك مربوطة بإطار تنظيمي سلطوي واحد: ديكتاتورية صافية، وإن اختلفت طبائعها.
في المثالين الكوري والسوري، طغمة عائلية اختصرت بحالها حزباً واحداً، اختصر بدوره وبحاله الدولة وناسها.. في المثال الإيراني ثيوقراطية أقفلت الباب أمام الزمن ورتعت في زمانها الخاص. وسدّت الأبواب والنوافذ ودعّمت السد ببيان نزالي هجومي دائم التوتّر ومفتوح في كل لحظة على احتمالات تدميرية وإفنائية.. في المثال الإسرائيلي ثيوقراطية مركّبة على عنصرية وتدّعي الديموقراطية. عدائيتها لا مثيل لها حتى في التاريخ الأميركي السابق على الحرب الأهلية، وحتى في التاريخ الجنوب أفريقي السابق على نلسون مانديلا وديزموند توتو.
في السياقات الأربعة، تسابق على الريادة! وعلى التوقعات المريرة والفظيعة والمثيرة لكل هلع متوفر في هذه الدنيا!
.. ليست هناك أي مبالغة مثلاً، في افتراض استيقاظ العالم في أي يوم وفي أي لحظة على أخبار اندلاع حرب نووية مدمّرة في الجزيرة الكورية.. نظام الزعيم الأبدي كيم إيل سونغ، الذي قرّر حزبه العظيم تأبيده حتى وهو في قبره. مستمر تحت رعاية نجله الطفل المعجزة كيم جونغ أون في ضخ هلوساته التي لا تحتاج إلاّ إلى كبسة زر واحدة كي تحيل الرماد الأصفر غيمة مقيمة دائماً فوق بقايا ملايين البشر والمدن!
في المثال السوري، أداء انتحاري يناتع باستماتةٍ كي يوقف تطوّر الزمن وتفخيت عجلاته.. لا يتورّع أصحابه عن إشعال النيران في كل عرق بشري، أو أخضر أو يابس من أجل محاولة النجاة من زلزال تغييري نتائجه حتمية، مهما طال الوقت وتطاولت الأوجاع وتناسلت الكوارث والبلايا!
في المثال الإيراني، نزوع خلاصي إلى تمجيد الفناء. وتعبيد الطرق إلى ساحاته وباحاته ومقابره الجماعية. ودائماً يُستخدم النص الديني كدليل وخارطة طريق إلى الوضعية الأمثل والأفضل للعودة إلى الماضي ونبش آثاره التفتيتية والفتنوية.. ومن ثم البناء عليها لتدمير كل بناء إسلامي أو عروبي أو إنساني قائم.
في المثال الإسرائيلي فرادة، جمع النص الديني مع نصوص وضعية تميّز بين البشر تبعاً لهويتهم وقوميتهم ومحجّتهم.. ودائماً هناك غيتو في الجغرافيا والرؤوس سواء بسواء. الخروج من الغيتو المحاصر ببيئة وطنية مختلفة لم يعنِ خروجاً لذلك الغيتو من بيئة فكرية مقفلة لا تختلف في شيء عن تلك التي يحملها اللصوص، كما لم يعنِ إلاّ خروجاً من زاوية مُحاصَرة إلى زاوية مُحاصِرة، ومن ادعاء مرضي بالاضطهاد إلى اضطهاد مرضي للآخرين الأغيار!
عالم اليوم، الحر الديموقراطي والليبرالي، مشغول بأمس الطغاة والشموليين، وبكيفية درء أخطارهم، وإنعاش آلة الزمن الكفيلة بطحنهم كما طحنت من قبلهم طغاة الزمان الغابر، وأفنت جبابرة الفناء!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00