يذهب رجب طيب أردوغان الى طهران. ويذهب كبار المسؤولين العرب الى بغداد. ويذهب السوريون الأحرار الى اسطنبول. ويفتل كوفي أنان نصف الكرة الأرضية لتسويق مشروع الحل الذي كُلّف برعايته في شأن القضية السورية... فيما يذهب بشار الأسد الى بابا عمرو ويتوّج نشاطه الرئاسي باستقبال النائب السابق فيصل الداود!
والجغرافيا هنا تختصر السياسة، وتكثّفها، وتأخذ مكان بيان الشرح والتفصيل والتعليل. لكنها، أكثر من ذلك، تدلّ في حالة سلطة الأسد الابن، الى انهيار وظائف تلك السلطة وانتهاء أدوارها. وهي التي كانت حتى الأمس الحمصي، آخر بقايا نظام تلاشى في كل دوائره، ولم يتبق له من عدّته إلا الأمن والعسكر ومستتبعاتهما التشبيحية والإعلامية.
يختصر بابا عمرو الحكاية من آخرها، بعد أن اختصرتها درعا وأطفالها من بدايتها. في ذلك، أن رأس السلطة الذي ورث نظامين، واحداً في دمشق والآخر في بيروت، تمكّن بسرعة قياسية من تضييع الاثنين: في غضون عام واحد شلّع نظامه ودمّر هيبته، وما عاد له من مظاهره إلا ركام الحي الحمصي المنكوب. وسبق ذلك، أن خسر النظام اللبناني في سياق مساعيه لإحكام السيطرة عليه! خرج منه ومن لبنان مُرغماً مُجبراً، وراح على مدى سنوات تلت ذلك الخروج، يبيع ما تيسّر من بضائع وأدوار في السياسة ومكافحة الإرهاب سعياً الى إعادة إحياء ما مات وتعويض ما فات!
في معركة الخسارة المزدوجة تلك، علامات على أداء بدائي، أُريد لنا ولغيرنا أن نصدّق أنه حداثي! لكن تتويج ذلك المسار ما كان له أن يتمظهر أكثر مثلما حصل في بابا عمرو تحديداً. حيث أمكن من هناك إطلاق الحكم وإقفال المحكمة: حالة مستحيلة. صاحبها رئيس دولة، لم يعد يجد مكاناً لتأكيد رئاسته، أو صندوق بريد لتوجيه رسائله، غير بقايا مدينة دُمّرت فوق رؤوس أهلها، ويخضع من بقي منهم لعملية تطهير عرقي! منهجية ومدروسة!
أخطر ما في تلك الحالة السلطوية السورية، هو عدم قدرتها على الرؤية ثم ادعاء العكس.. مراكمة الأخطاء ثم بيعها باعتبارها إنجازات يُعتدّ بها، وارتكاب الخطايا ثم التسويق لها باعتبارها فتوحات عزّ نظيرها! والأمر في مجمله وختامه ونتيجته ليس إلا تأكيداً لريادة علم المنطق في كل صغيرة وكبيرة: الاعتماد على قراءات ونصائح واستشارات ظواهر صوتية مبتذلة، متوسطة الذكاء، ضحلة الثقافة ومليئة بالاحقاد والأهواء الشخصية، ثم وضع السياسة كلها في عهدة ضبّاط الأمن، كل ذلك، ما كان ليؤدي الى غير النتيجة الماثلة أمام كل الناس.
الجيل السابق، كان بطّاشاً بالقدر ذاته، وربما أكثر، لكنه كان أذكى: يرى أخطاءه فيطلب تصحيحها ويتواضع. ويرى خطاياه ويطلب الغفران. ويرى سقطاته ويجبّرها. ويرى أدواره كما هي ولا ينفخ فيها.. يعرف الناس والأهواء والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس! ويقرأ الخرائط ويدرك خطورة الرسم عليها، أو المسّ بخطوطها، أو محاولة تلوين بعض البقع فيها!
جيل الأسد الابن، في عالم آخر. ليس فقط لا يعرف شيئاً، بل أيضاً، لا يعرف كيف يتعلّم ويدّعي العكس. وهو عندما أراد الاجتهاد، أوصله الضنى وسهر الليالي طلباً لذلك العلم، الى التيه في طريق لا عودة فيه، يبدأ في درعا وأطفالها، ولا ينتهي في حي بابا عمرو ومنكوبيه!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.