لا تريح صدمة مؤتمر تونس إلا نوعين من البشر.
النوع الأول هو ذلك المركون عند السلطة الأسدية وفي خانتها، والثاني هو ذلك المركون عند الذين لا يجدون في هذه الدنيا شيئاً أغلى من الأمن الإسرائيلي.
في المحصلة الأخيرة لذلك المؤتمر وللكلام الغربي والأميركي تحديداً الذي تلاه، ان الامتناع عن فتح باب جديد مختلف للمواجهة مع سلطة المدافع والدبابات والمجازر وسفك الدم لا يعني إلا حبوراً عابراً لتلك السلطة من جهة، وزيادة في طول مدة معاناة شعب سوريا من جهة ثانية.
والمعاناة مفهومة ومرتقبة ومتوقعة ومقروءة، لكنها بالتأكيد لن تغيّر شيئاً في الخواتيم المفهومة والمرتقبة والمتوقعة والمقروءة بدورها: لا قوة النيران ستعيد السلطة الى سوابقها وأحاديتها وجبروتها وهيبتها، ولا الدعم الخارجي مهما ثقل، وأياً كانت لهجته، إيرانية أو روسية أو غيرهما، سيتمكن من ايقاف ذلك المسار الداخلي أو تحطيمه. يؤخره نعم، لكن لا يلغيه ولا يكسره. وواهم كبير من يفترض ان النظام الذي سقط بكل أدواره ووظائفه وعلاقاته الداخلية والخارجية، قادر على إعادة إنتاج نفسه من خلال ما تبقى له من سلطات أمنية وعسكرية وتشبيحية وتهويلية، وان كانت في هذه الأيام في قمة أدائها! وواهم أكبر من يفترض في المقابل، ان الذين خرجوا وواجهوا بالصوت العالي واللحم العاري وإرادة الفولاذ، سيعودون الى بيوتهم أو يستكينوا أو يتراخوا.
لسلطة الأسد أن تنتشي راهناً بالنتائج الضحلة لمؤتمر تونس، ولها بعد ذلك ان تركّب ما تشاء من أفلام استفتاءات ودساتير ونسب المصوّتين! لكن ليس لها أن ترتاح لانكشاف النتيجة التامة والأكيدة، وهي ان ما يجري في سوريا ليس تآمراً أميركياً ـ إسرائيلياً على النظام بقدر ما هو تواطؤ على السوريين وعلى سوريا في الإجمال، ولخدمة النظام!
..فجأة يصير بعض الكلام الغربي عن القاعدة متمماً بعد سنة من اندلاع الثورة، لحجّة أهل السلطة الأسدية وروايتهم لما يجري. وفجأة يصير الكلام عن عدم جدوى التسليح، متمماً لحرب تحطيم المعنويات من خلال الإضاءة الدائمة على حجم الخلل الميداني في نيران القوى الداخلي (!) وفجأة بعد ذلك يصير الانتباه الى أن أهالي حلب ودمشق لم ينخرطوا تماماً بعد في الثورة.. وغير ذلك من الكلام الذي يدين أصحابه قبل أن يبرّر مواقفهم.
والإدانة واجبة حُكماً. إذ أن كل تلك المواقف التبريرية لا تخفي قراءة باردة جداً تفيد، بأن الوضع السوري الراهن هو أفضل ما يمكن أن يخدم إسرائيل. ستاتيكو (وإن تدحرج) قائم على حالة تدمير مزدوجة لمقومات الدولة السورية (وليس النظام) ولمقومات الاجتماع السوري بكل تلاوينه. مذبحة مفتوحة، كلما تأخر الحسم فيها كلما ازداد خواء الدور المركزي لسوريا، وكلما احترقت أو تلاشت أو اختلطت بدم الناس، مقدرات وثروات الدولة المساوية لبقاء الكيان!
جبّار شعب سوريا.. وقبل مهزلة الاستفتاء بالأمس، كان العالم، القريب والبعيد، قد عرف تماماً ومباشرة ماذا يريد.. وذلك الذي يريده سيفرضه في نهاية المطاف، طال الأمر أم قصر!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.