8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أصدقاء سوريا.. أعداء روسيا!

محكوم مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس بالنجاح بغضّ النظر عن التفاصيل. مجرّد الدعوة إليه كانت نصف نجاح. غياب روسيا (والصين) كان النصف الثاني.
والبداية الجيّدة يُفترض أن تؤدي إلى خلاصات أكثر جودة. والمؤتمر بشكل عام، هو بديل من الفشل في مجلس الأمن وطريقة مُثلى لتفادي التأثير الروسي في أي قرار اقليمي دولي آن له أن يصدر لمحاولة إيقاف المذبحة الجارية، وفتح الطريق باتجاه تفعيل الضغوط على سلطة الأسد في سياق السعي الهادف إلى إسقاطها.
والافتراض قائم، بأنّ غياب روسيا عن المؤتمر لن يعوّضه حضورها على الأرض في سوريا. بل تبدو الأمور ذاهبة باتجاه آخر. إذ انّ أصحاب القدرة على الفعل الميداني اقليمياً ودولياً إرتأوا أخيراً، أنّه بين العجز عن إصدار قرارات عملية في مجلس الأمن، والاكتفاء بالصراخ من بعيد في وجه السلطة السورية، هناك خيار ثالث هو التحرّك الجماعي لإنتاج شيء يساهم في إنقاذ شعب سوريا من المذبحة.. وفي وضع موسكو أمام أمر واقع من الصعب عليها كثيراً مواجهته من دون أكلاف باهظات!
مشت تلك القصّة، لمَنْ يتذكّر، في مرّتين محوريتين، الأولى في ما يتعلق بصربيا ويوغوسلافيا السابقة. والثانية في العراق. وفي الحالتين بدا الفيتو الروسي عديم الجدوى عملياً. أي أنّه لم يُترجَم من خلال مواجهة القرارات الكبيرة التي اتُّخذت أميركياً وأوروبياً، بل تم الاكتفاء بالتفرّج عن بُعد والتحسُّر بعد ذلك على غياب القدرة على منع ما حصل.
ولمَنْ يشاء أن يتذكّر أكثر أيضاً، فإنّ موقف موسكو من حكم سلوبودان ميليسوفيتش في بلغراد في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومن حكم صدام حسين في بغداد بعد ذلك بعقد من الزمن، كان بالحدّة ذاتها للموقف الراهن من حكم بشار الأسد في دمشق.. ومع ذلك حكمت الظروف بأن يبقى ذلك الموقف في المرّتين، راكناً مطمئناً في خانة السجلاّت السياسية والإعلامية والديبلوماسية ليس إلاّ!
والغرابة قائمة وحاضرة، في تشخيص الموقف الروسي الراهن. إذ انّ اعتبار سوريا منصّة لإشهار موقف قوّة في وجه الغرب لا يتناسب مع كثير من الأشياء السياسية والاقتصادية والتاريخية والأخلاقية: في السياسة والاقتصاد تخسر روسيا في المستقبل القريب والبعيد سوريا وشعبها وعلاقاتها العربية على كل المستويات، وأوّلها المستوى التجاري الاقتصادي. وفي التاريخ والأخلاق تخسر ريادتها وصيتها الذي بنى أمجادها عند شعوب العالم الثالث باعتبارها نصيرة المستضعفين والمقهورين والمسلوبة حقوقهم وأرضهم وإرادتهم، والمتطلّعين إلى تضامن أممي يقيم شيئاً من التوازن مع حالة أممية معادية!
أين كل ذلك اليوم، من موقف داعم لسلطة تقصف شعبها بالدبابات والصواريخ والطائرات؟! وأين راح كل ذلك التراث الإنساني الإبداعي العميق والمميّز الذي وضع الروس في الإجمال، في حقبة الحرب الباردة، في مرتبة أخلاقية أرفع مستوى من مرتبة أعدائها؟!
وجه الغرابة الآخر في تشخيص الموقف الروسي الراهن يتأتّى من مسلّمة يعرفها أهل الكرملين أكثر من غيرهم، وهي أنّ الولايات المتحدة والغرب في الإجمال يخسرون أنظمة مؤيّدة ولا يخسرون دولها. في حين تخسر موسكو (في كل مرّة) الاثنتين معاً، الأنظمة المؤيّدة لها ودول تلك الأنظمة سواء بسواء، من يوغوسلافيا إلى العراق، وقبلهما كل أوروبا الشرقية التي كانت جزءاً من المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، ثم اصطف بعضها خلف بعض للدخول في جنّة الامبريالية!
وللبعض أن يذهب إلى أبعد من ذلك في التاريخ.. إلى أزمة كوبا في مطلع ستينيات القرن الماضي، والمواجهة التي وصلت إلى الحافة النووية بين إدارة كيندي في البيت الأبيض وإدارة خروتشوف في الكرملين: عندما حانت لحظة الحقيقة تراجع الرفاق في موسكو، ووجدوا أنّ شيئاً خارجياً أيّاً يكن، لا يستحق مواجهة إفنائية مفتوحة مع الغرب.. اليوم أيضاً، ستأتي اللحظة التي ينتبه فيها أحفاد هؤلاء الرفاق، أنّ السلطة الأسدية لا تستأهل أن تركب في كفّة من الميزان، في مقابل كفّته الأخرى التي فيها العالم العربي من أوّله إلى آخره، وأوروبا من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، والولايات المتحدة التي لا تزال، رغم تخرصات أيتام الماركسية، رائدة العالم الحرّ والأولى اقتصادياً ومالياً وعسكرياً.
كان الظن، أنّ المصالح الاستراتيجية تحكم سياسات الدول العظمى وروسيا من بينها. لكن يتبين بالملموس أنّ تلك الاستراتيجية مصابة بخلل مركزي في حسابات أهل الكرملين، ولذلك فإنّ التاريخ الحديث عبارة عن سجل بوقائع روسية فيها انتصارات هامشية وتفصيلية وعابرة، في مقابل هزائم مركزية وبالجملة ومقيمة.. لذلك ربما وفي الأساس، سقط الاتحاد السوفياتي العظيم تلك السقطة الاسطورية!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00