8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في التسوية..

تبقى سياسة اليد الممدودة في الشأن اللبناني أفضل وأبقى وأكرم من الأصبع المرفوع في وجوه الآخرين.
مُسلّمة بسيطة وسريعة وطيّارة، رديفها خطاب واقعي، لا أحلام في متنه، ولا طموحات جامحات في هامشه، وتلك في كل حال، خلاصة يُفترض أن تكون بديهة من بديهيات الحياة اللبنانية، في احترابها وسلمها، وفي صعودها وهبوطها، وفي عمرانها وانكسارها.. حيث تكفي التجارب المتناسلة منذ سنوات، تفتيتاً وتمزيقاً ومآسي وكوارث وبلايا، لإعادة إنعاش العقل على حساب الغريزة، والمنطق على حساب الافتراض الجامح.. كما تكفي لاستحضار واستعارة كل ما في الدنيا من مقوّمات تواضع لإلباسها بعض الرؤوس الحامية والنفوس المشتعلة في كل حين.
قطع اللبنانيون في مجملهم خطوطاً حمراً كثيرة في السنوات الماضيات، وذهبوا في ذلك إلى نقاط بعيدة. جرّبوا النفي والإقصاء والإلغاء نظرياً وعملياً. انتعش منهم مَن انتعش على وقع تمايزات جرى العمل بدأب سعيد وانفعال ممنهج على تظهيرها وتكبيرها والنفخ فيها.. كما انتعش، منهم مَن انتعش على وقع انبعاث مكامن قوّة مدجّجة بأبعاد وصلت في جذورها إلى الأوائل، وبآليات وأساليب ودعائم اقليمية مُسكرة.. وانتعش منهم مَن انتعش على وقع حالة في الجوار القريب، ظنّ أصحابها أنّها دائمة وليست عابرة، ومقيمة إلى الأبد فيما غيرها آفل وضامر!
في مجملهم، خاض اللبنانيون في مهالك تكفيهم وتكفي غيرهم وتفيض. وفي مجملهم صعدوا إلى قمّة الجبل ثم كرّوا تباعاً إلى الوادي المقابل لتلك القمّة. وفي مجملهم عانوا وقاسوا وبكوا. دقّوا على الصدور، وندبوا أهلاً وأحبّة وأقارب، مهج العيون وفلذات الأكباد والأرواح. وفي مجملهم مشوا على تلك الدرب، حفاة وإن لم ينتبهوا، وعُراة وإن التحفوا مشاريعهم وارتباطاتهم وطموحاتهم المستحيلة. عطاشى وإن ارتووا عبر بيانات وبلاغات وخطابات ترنّ وتقدح كالسيوف المتقاتلة، وجوعى وإن شبعوا وعوداً بالأمجاد والانتصارات والإنجازات! في مجملهم، ضرب البخار ملكات عقولهم، رطّبها ثم نشّفها على الآخِر، فغابت مكامن التمييز بين الصحّ والغلط، وبين الذكاء والتذاكي، وكانت النتائج الحتمية الأولى، ويلات لا مثيل لها!
تشاء ظروف المحيط والمدار الآن، أن تقدّم للبنانيين من جديد، فرصة لتخفيض سقوف المشاريع المستحيلة، وإعادة الأرجل إلى الأرض، والالتصاق بالوقائع كما هي، وتفطيس أوهام أُريد لها أن تستبدل تلك الوقائع.. فرصة لإعادة الاعتبار إلى مفهوم التسوية النبيلة والكريمة باعتبارها حكماً مبرماً في حالة لبنان، ودونها عودة إلى المربّع الأوّل.. وهذه المرّة، قد يكون المربع الأخير!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00