8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في الصفراء..

لا تنمو النظرية النحاسية في بيئة خضراء كالبيئة اللبنانية. هي مثل أصولها البعيدة، آتية من زمن آخر وجرّبت واندحرت في أمكنة أخرى.. أو هي في العموميات، تحمل إيحاءات أكبر من حالها، تتصدّى لآليات إنتاج في اقتصاد غير مكتمل البنيان، أو عابر بين مرحلتين، يدبّ في مجتمعات طوى الزمان والتاريخ تمايز طبقاتها بعد أن أسّست لانتعاش وتفتّح بذرات الفكر الماركسي فيها.
.. ولا تنمو تلك النظرية في قحط طبقي، حيث لا تتوافر أدنى الشروط المطلوبة لانطلاق ذلك التضاد الحتمي، الحاد أو الهادئ، بين رأس المال من جهة، وقوى الإنتاج المهيضة النجاح والمأكولة الحقوق من جهة أخرى.. لا تنمو على الملح. ولا تعربش على البحص والرمل. ولا تمشي على جليد فكري يمحو (كالنار تماماً بتاتاً) أي محاولة لإنعاش قانون التمايز بين مَن يملكون ومَن لا يملكون!
.. فريدة عصرها تلك النظرية الصفراء. شروطها منعدمة إلاّ في رأس صاحبها. والأرجح أنّ ذلك مقيم خارج الزمان والمكان وبعيد بمسافات فلكية عن كل حسبة معقولة. بل بعيد حتى عن الخيال والشعر. وغريب غربة لئيمة وموجعة حتى عن احتمالات الانفعال النضالي البريء، المصاحب عادة لمرحلة عمرية مصبوغة بالهيجان والتسرّع والجموح، والتبرُّم من واقع الحال في مقابل الإبحار في الأحلام المستحيلات.
نظرية منحوسة فيها افتعال مَرضي، أكثر منه علمي. تغرف من بيان، أوّل بند فيه مكتوب بحبر الحقد، وآخر بند فيه مكتوب بحبر النزق، وما بينهما جمل متفرقة لا تجمعها إلاّ رغبة بتصفية حسابات قديمة، وإشفاء غليل (أو انتقام)، من فشل ذاتي مرير، يحمِّل صاحبه أوزاره إلى مَن اكتشفه مبكراً وزحّطه بالتي هي أسلم وأسرع!
.. ثمّ في تلك النظرية الصفراء يا إخوان، الكثير من البلف النظري والتطبيقي.. تحكي عن القانون وترتكب ما يحلو لها بغض النظر عن ذلك القانون، وتتشدق بكلمات كبيرة ومصطلحات أكبر بالإصلاح، وتقيم في الوقت نفسه، وسط هيئة سياسية هي أوّل مَن يحتاج إلى ذلك الإصلاح!، بل إنّ الملفات المتراكمة عند الهيئات الدستورية الرقابية والتفتيشية، وفي موازاتها عند الهيئات السياسية الضليعة والخبيرة والعارفة بشؤون الإدارة والوزارة، تتضمن أثقالاً حرزانة من الأفعال والارتكابات البعيدة عن النزاهة والأمانة بُعد بيروت عن هافانا!
نظرية صفراء مطروقة إلى حدّ الانبعاج. لا يعرف الناظر إليها ما هو شكلها الأخير ولا تركيبتها النهائية، بل ما يُعرف يقيناً، أنّها شيء هجين مركَّب من تناقضات ومكوِّنات كثيرة لا تضم من بينها أي مكوّن يتصل بالعقل لا مباشرة ولا مواربة!.. علم النفس (ربما) هو الباب الوحيد المتوافر لمحاولة الدخول من خلاله، إلى تشخيصها النهائي والأكيد.. يا لطيف!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00