يطغى المسار السوري على غيره من حوادث كبيرة وتحوّلات أكبر جرت وتجري في المنطقة العربية وضواحيها، رغم بعض التفلُّت الهامشي، مثل النزاع الإعلامي والسياسي المفتوح بين إيران والعالم، وعودة عمليات جسّ نبض جثّة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لمعرفة إمكانية إنعاشها من عدمها.
وصحيح في المبدأ القول في الخبر، ان سوريا حالة مختلفة عمّا سبقها من دول إهتزّت بثوراتها وانتفاضاتها وحركة ناسها الانتقالية من الماضي إلى المستقبل.. لكن الصحيح أكثر، هو أنّ ذلك لا يدلّ إلاّ إلى تميّز استثنائي في تركيبة سلطوية عرفت منذ اللحظات الأولى لإمساكها بمقدرات الدولة في كل مبانيها ومعانيها، أنّ الخطر المصيري الماحق المحتمل عليها مصدره الداخل وليس الخارج.
.. وفي الحالة السورية هذه، جرى توظيف المدار الإقليمي بنجاح لتأكيد السيطرة المحلية. واستعيض في سياق ذلك، عن آليات إنعاش معطيات الأنسنة حتى في أبسط شروطها، بنفخ أدوار خارجية كبرى، عَرِفَ الأقطاب الأوائل لتلك الأدوار، كيف يسوّقونها في كل بازار سياسي أو أمني أو إرهابي متوفر..
لكن ما يصدم في السيرة الدموية المفتوحة منذ منتصف آذار الماضي، هو ذلك المدى الذي يمكن أن يضع فيه أهل السلطة تهديداتهم موضع التنفيذ.. لا يُحكى هنا عن العنف ولا عن منظومته الذهنية والنفسية، ولا عن الآلية التي بُني من خلالها حتى كاد يصير جزءاً من بديهيات الغريزة الأولى! ولا يُحكى عن بنى فكرية أو حسابات سياسية استراتيجية وتكتيكية افترضت في ذلك العنف تعويضاً وحيداً عن القلّة، ورداً وحيداً على الرفض الجمعي العام، بل يُحكى عن الحساب الأخير الموضوع أمام أهل السلطة الراهنة في دمشق.
بمعنى، أنّ شيئاً ما يُفترض أن يُقال عن ذلك لكن أحداً لا يقوله.. ودواعي الصدمة تكمن في هذه الجملة تحديداً. إذ انّ الخروج الناري للتخاطب مع عموم السوريين كما يحصل حالياً، وبتلك الطريقة الدموية الفظيعة التي لا تترك أي احتمال للعودة إلى مكان تصالحي، سيؤسس (وأسس!) لمعادلة لا يمكن إلاّ أن تكون على حساب أهل السلطة وليس لحسابهم!
طفرة القوة الراهنة عابرة بالمعنى التاريخي والاستراتيجي وليست دائمة، حتى لو طالت إقامتها حيث هي بعض الوقت. وتأكيد الخلل في الميزان لا يمكن أن يعطّل الحساب الصحيح مهما طال ذلك الخلل.. وضع العسكر والآلة الحربية وكل ردائف ومتمّمات ذلك البناء في كفّة، وإرادة عموم السوريين في الكفّة الثانية ليس تأكيداً لصحّة القياس واعتدال الميزان، بل هو استثناء. وكل استثناء لا يدوم.
وبهذا المعنى تصير المفاجأة مرادفة للصدمة. ثم تكبر إذا كان الحساب الأخير عند أهل السلطة، يغيّب ذلك المُعطى، أو يضع حلوله التي نرى عيّنات منها منذ آذار الماضي، في موضع الصدارة! وكأنّ الباب أقفل تماماً على العدم: نحن، ومن بعدنا الطوفان!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.