8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بين عجزين..

كأنّه لعب في الوقت الضائع ما يجري راهناً على صعيد المراقبين العرب في سوريا. لا الأوهام يمكن أن تنقلب إلى حقائق، ولا العكس وارد.. وذلك في كل حال لا يحجب فوائد الحراك العربي، حتى لو كان على مستوى التوثيق والمعاينة المباشرة تمهيداً لخطوات لاحقة، تبقى في علم الغيب حتى عند أصحابها المفترضين!
الوهم الأكبر الضارب عميقاً في حساب السلطة وأهلها هو أنّ الحل الأمني يمكن أن يؤدّي مرة أخرى إلى ما أدى إليه ذلك في مرّات سابقة.. في حماه 1964 وحماه 1982، وما بين التاريخين من مواجهات عنيفة ودموية جرت بين أهل البعث، وبينهم وبين الآخرين في أكثر من مدينة وصولاً إلى دمشق. أو بين أهل السلطة نفسها التي ظلّت تتأكّل بفعل القتل والسجن والمنافي، حتى ركب على رأسها شخص واحد، صادر الحزب والدولة بشخصه، وحوَّل كل ذلك الإرث، إلى ابنه الحاكم حالياً.
ثاني الأوهام التي يمكن أن تكون مدمِّرة، هو أنّ السلطة يمكن أن تسقط من خلال التظاهرات مهما كبرت وتنوَّعت وانتشرت. تلك قضية خارج نطاق البحث لأنّها خارج نطاق المعقول في السياق السوري المعروف. ما يجري ليس صراعاً على السلطة ومفرداتها وأدوارها وسياساتها وأدواتها وأسبابها ووظائفها. كما أنه ليس مجرد دعوة إلى التغيير، بحثاً عن حرّية موؤدة، أو تنمية غائبة، أو عدالة ممسوحة تماماً، أو قضاء لا يوجد منه إلاّ الاسم... أو دولة تقدم حدّاً معقولاً من الأجوبة عن أسئلة البطالة وضرب الفساد وشروط مواكبة العصر.. ما يجري يشتمل على كل تلك العناصر لكن مضافاً إليها العنصر الأهم والحاسم وغير القابل لأي حسبة: الوجود من عدمه.
يخطئ كثيراً مَنْ يفترض أنّ وتيرة المواجهة الحاصلة يمكن أن تتصاعد أو تتصاغر بعيداً عن ذلك المُعطى أو على الرغم منه. البنيان الذي ترسخ على مدى السنوات الماضيات، وشكل الرد على تحدّي ذلك البنيان، يؤشران من دون شطط، إلى أن المسألة هي صراع حياة أو موت بالنسبة إلى السلطة لا أكثر ولا أقل. وفي حالات مماثلة تنعدم التسوية وتنتعش حسابات الحلول الآتية من الصفر ومشتقاته.
الحلول الصفرية، أو الاستئصالية تعني الأخذ بالحل الأمني أو العسكري حتى آخر نَفَسْ. لكن طالما أنّ الحداثة وآلياتها ووسائلها بالمرصاد، فإنّ تلك الحلول في عالم اليوم توازي الوهم التام.. وبحور الدم لا تغيِّر شيئاً في ذلك الوهم ولا تحيل أي تفصيل فيه، مهما صغر، إلى أي حقيقة مهما تواضعت.
لن تستطيع سلطة الأسد إعادة إحياء الزمن الذي مضى، إلا إذا استطاعت تعميم العتم وإطفاء كل الأضواء المسلّطة على الداخل السوري.. وحتى في تلك الحالة المستحيلة (أو الكورية الشمالية) لا شيء على الاطلاق يضمن عودة مارد الناس إلى قمقم سلطة البعث.
على الجانب الآخر، إنّ افتراض تهشيم ما تبقّى من تلك السلطة، من خلال الحراك الشعبي مهما هدر، أو من خلال تحرّك ديبلوماسي أو سياسي، أو عقابي، يبقى وهماً موازياً لما سلف..
القصة تبدو طويلة، إلاّ إذا تحرَّكت ميكانيزم العقوبات بشكل غير متوقع وخلخلت التركيبة الحاكمة من داخلها.. وبانتظار ذلك إذا صحّ الانتظار، يبدو الوضع السوري في قمّة الإغلاق، يتأرجح بين عجزين. وبينهما تكبر مساحات الدم، وتضيق مساحات الحياة.. وينحني التاريخ العربي مرّة جديدة خجلاً من الدنيا ومعناها وعلّتها الأولى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00