يختزل التوقيع الرسمي السوري على المبادرة العربية الوضع الذي وصلت إليه سلطة الأسد في دمشق والمآل المرتقب لها.. وضع يائس حاول أصحابه، ولا يزالون يحاولون، تأجيل الاستحقاق الأخير لذلك اليأس، وشراء الوقت من أي سوق مفتوحة.
على ان الأكثر مدعاة للمرارة، بالنسبة الى تلك السلطة من الخضوع والتوقيع على المبادرة، كان الطريقة التي تمّ فيها. أي الاذعان للطلب الروسي قبل الاذعان للإجماع العربي. ولولا الخطوة الأخيرة لموسكو في مجلس الأمن لما تمّ التوقيع. الجدار الروسي الذي كانت سلطة دمشق ولا تزال، تعوّل على الاستناد إليه، كان بدأ يتصدع، ومنعاً لسقوطه التام وانكشاف الظهر، خضع الرأس ووقّع. وفي ذلك تحديداً تبدو سلطة دمشق مُسيّرة أكثر منها مُخيّرة، وخاضعة أكثر منها آمرة. ومنقادة أكثر منها قائدة. وفاقدة لقرارها أكثر منها ماسكة به.. وإذا لم تكن هذه أبرز علامات السقوط، فكيف تكون تلك؟
غير ان التوقيع ليس إلاّ بداية لقصة ميدانية مختلفة عن كل ما شهدناه على مدى الشهور العشرة الأخيرة. فهو يعني حضور شهود عيان غير سوريين في المشهد السوري مباشرة، الأمر الذي كانت السلطة ومنذ اللحظات الأولى، تمنع حصوله من خلال منع الإعلام العربي والأجنبي من الدخول لتغطية ما يحصل.
شهود ثقات. وهم بالتأكيد (مبدئياً) غير الشهود الزور الذين أرسلتهم دمشق إلينا في لبنان! وغير الشهود الزور الكثر الذين يدأبون على إعلامنا منذ عشرة شهور ان الأزمة انتهت.. وان عصابات مسلحة هي التي تعيث بسوريا واستقرارها خراباً وتدميراً. وان لا شيء اسمه ثورة متكاملة الأوصاف تحصل هناك! وهؤلاء الشهود العرب، إذا قيّض لهم العمل وفق مدوّنة انتدابهم كما هي، سيسمحون بتبلور مشهد مختلف في دمشق وحلب تحديداً، حيث آن الأوان لمعرفة نسب المؤيدين والمعارضين فيهما. وآن الأوان لكشف القطبة المخفيّة في هذا النسيج المشتعل في طول سوريا وعرضها.
السلطة تدأب على تنظيم تظاهرات ضخمة مؤيدة لها في المدينتين، وتصرّ في المقابل على منع أي حركة معاكسة.. قد يتيح وجود المراقبين العرب الآن، المجال أمام الناس للتعبير عن موقفها من دون مواجهتها بالدبابات والرصاص والشبيحة. ومن يعرف، ربما تكون نسبة المؤيدين للأسد وسلطته أكبر من تلك المناوئة له!!!
المهم هو ان وجود هؤلاء المراقبين سيؤدي أيضاً الى تكثيف حركة التظاهر في سائر أنحاء سوريا، في مقابل تراجع عدد الضحايا.. ويمكن تخيّل المشهد قبل تمظهره في الشارع. وهو المشهد نفسه الذي ترتعد سلطة دمشق من احتمالاته منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة من درعا.. السماح بحرية التظاهر، أو مراقبتها بعيون خارجية كما سيحصل الآن، لن يعني إلاّ شيئاً واحداً: طوفان بشري مناوئ. لن تقف في وجه إرادته أي إرادة معاكسة. والأمر بعد ذلك لن يبقى موضع تأويل أو تأليف أو توليف أو تركيب أفلام بائسة.. العصابات المسلحة لا تحرّك مئات الألوف في الشارع. من يفعل ذلك هو العصبة المسلحة المسماة سلطة. أو من تبقّى منها.
لكن قبل الاستطراد والاستنتاج هناك السؤال: هل ستسمح سلطة دمشق فعلياً وعملياً بانتشار المراقبين العرب كما يجب، وحيثما يجب؟ ووفق مهمتهم التفصيلية؟ أم اننا سنكون أمام مشهد مألوف حيث تخرج في ليل، أدوات السلطة وتتعرض لهؤلاء من بداية الطريق، ثم تروح تؤلف أفلاماً سيئة الإخراج عن مسؤولية العصابات المسلحة عن ذلك؟!
في كل الحالات، لا تحتاج سوريا الى مراقبين إضافيين للشهادة على سقوط سلطتها، لكن لا بأس بذلك إذا حضروا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.