8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جمعة سوريا..

كانت جمعة الأمس السورية في مكانها المألوف منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة. لم تؤثر فيها كل أعمال السلطة. لا في زخمها ولا في تطورها ولا في سيرها الحثيث الى إعلاء التحدي الى أرفع مستوياته وبالتالي إنزال آخر ما تبقى من مقومات سلطة الأسد الى الأرض.
مع دخولها شهرها العاشر تكاد تلك الثورة ان تكون جيّاشة كما كانت في أيامها الأولى. ومليئة بالآمال والأحلام كما لو انها تجري في بلد لا يحكمه بعث سوريا منذ عشرات السنين.. وفي مواجهة سلطة غير تلك التي تستبيح أعراض الناس وأرواحهم بسهولة إستباحتها أي تفصيل معاشي حياتي يومي!
فظيع ذلك الجدار الذي تحطم، كم كشف من أستار وغوامض وكوالح ومآسٍ. وكم أطلق من رؤى وطاقات كانت مكبوتة في الصدور منذ أربعة عقود على الأقل... وكم حرّر، وللمرة الأخيرة، من أرواح اكتشفت في الحرية حياتها حتى وإن جُرحت في السعي إليها. ونُخِرت بالرصاص والممارسات المتآلفة مع طبائع الغابات وغرائز أهلها وسكانها.
والحال أن أحداً بعد اليوم، ولا قبله في الحقيقة، ما عاد ينتظر شيئاً جديداً ليتأكد من مسار الأمور والوجهة الأخيرة لها. ما نشهده راهناً وسنشهده لاحقاً، ليس إلا ترجمات تفصيلية لذلك البيان البليغ القائل إن سلطة دمشق صارت فعلاً ماضياً.. وإن أدواتها التنفيذية تحاول مواجهة الطوفان بأكياس رمل لا تكفي لسد نافورة واحدة، حتى لو كانت تلك الأدوات على ذلك الجبروت وتلك الوحشية، وحتى لو كانت مقيمة على ذلك الكمّ من الحديد والبارود والعسف، وذلك التراث الاستثنائي الخاص بـأرقى وسائل نفي الحياة بأحطّ الأدوات الممكنة والمتخيَّلة.
ما عاد الدليل مطلوباً في هذه المحكمة المفتوحة منذ 15 آذار 2011 لإصدار الحكم الأخير: السقوط مصطلح لا يتآلف إلا مع الهاوية، ولا يتآخى إلا مع المنحدرات والجغرافيا الهابطة. ومهما تنوعت وتعدّدت قدرات ولسانيات ولغويات وفتوحات اللغة المدجّنة في كتاب سلطة الأسد، فإن ذلك المصطلح لن تتغير طبيعته ولن يتغير متنه ولا فرعه ولا ترجمته ولا معناه ولا مبناه. لا تصعد المياه الى فوق، مثلما لا يتحول الدم المراق الى حبر مدونة اتهام تشيعها أدوات تلك السلطة لتبرير محاولتها منع الشمس من الشروق فوق سوريا وأهلها، بل فوق العرب في مستهل دخولهم أخيراً في مواكبة الزمن وطبائعه وآلياته وماكيناته وأنفاسه بعد أن بركوا طويلاً في عصر آخر، وركنوا مطمئنين الى كتب التاريخ يعوّضون فيها الحاضر المرير بماضي الأمجاد والرضى الرباني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00