8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رفيق الحريري..

لا بأس بذلك.. يقيم طيفك حيث يجب، وحيث لا يمكن لاستبداد أو صلف أن يزيله أو يمحوه. وحيث لا تقدر إلاّ الأقدار على إنزاله في خانة النسيان والغشيان. ويقيم نهجك حيث يجب في خانة الاستمرار، والاقتراب أكثر من الديمومة التي لا تليق إلا بأهل الحق والخير والأيادي البيضاء الناصعة مثل ثلج صنين، والخضراء مثل كروم العنب والتين والفل والياسمين، والزعتر البرّي وأناشيد التلال وبراري البراءة الصافية.
كأنّ فيك سراً وسحراً، حتى انخرط قاتلوك في ملاحقتك إلى حيث أنت! وفي تتبّع خطواتك كي يمحوها، وذكراك كي يمعنوا فيها تشويهاً، وإنجازاتك كي يلطّخوها بحبر سواد مشاريعهم وبارود ممارساتهم.. وكأنّ فيك بعد ذلك إحياءً لكل ما أرادوا تمويته. وإنعاشاً لكل فكرة ابتغوا تحطيمها. وإعلاءً لكيان الأرز الذي أرادوا حرق خشبه في موقد طموحاتهم الخلاصية المريضة والفتّاكة!
كنتَ أخطر مَنْ واجهوه، في الآني والآتي وفي القريب والبعيد: هذا وطن مؤجّل، وجئت أنت كي تجعله معجّلاً. وهذا بنيان مستحيل، وجئت أنت كي تجعله صنو الممكن وابن الأكيد المكين. وهذا مشروع وطن غير مكتمل، وجئت أنت كي تجعله حقيقة أوضح من شمس آب وربيع العرب. وهذا وطن مسرح، وجئت أنت كي تجعله كياناً مكتملاً، أرضه لأهله وسلطته لرجالها، وأمنه حقّ مقدّس للذين دفعوا من أعمارهم وأرزاقهم ثمن غيابه وتغييبه سنوات طوال.
.. وكنت فوق ذلك، تعرف سر القطيعة المطلوبة فاستبدلتها برباط لا ينقطع. وكنت تعرف سرّ المطلوب كي يبقى الآسر مسترسلاً في حديده وجنازيره، وجئت أنتَ بعدّة التذويب وملح الصدأ، وأمعنت في إطلاق الأسير وتفتيت قيده وارتكاب الحرية.
أي سر فيك! وحلمك الوردي نارٌ على الأوصياء الأدعياء، وما ارتضيت أن تفيق منه! وإرادتك النقيّة، ماء مالح وأسيدي يشربه تجّار الممانعة ومافيات السلطة وأهل الأسن والعفن، وما ارتضيت التخلي عنه أو رميه في البحر. وسيرتك السخية، تسفيه يومي للبخلاء في أرواحهم والهمم، وما ارتضيت تغيّر حرف فيها. وصوتك قمح مدرار ترشّه على بيدر الوصل واللقاء ويستبدل مراعي حقدهم القاطع والمانع، وما ارتضيت ذرّه في الريح ولا إحراقه في ليل.
أي سر فيك! وأنت الذي توّج دمك نهج حياتك، فانتصرت على الجلاّد، ومن ضريحك تُحدّد مصيره!
يا سيدي الرئيس: عدل ربّ هذه الدنيا لا يُخيِّب رجاء المظلومين. ولا يضيّع دماء الأنقياء الأبرياء والأصفياء، ولا يهمل صوت الأنين.. ولا يجعل الدنيا إلاّ لظى على الظالمين المفترين والمجرمين.
.. لكَ من جديد، صباح الخير، ولا تكفيك كل صباحات الدنيا. وأنت الذي أنت: انتقام الفقراء من لعنة الفقر، والعلم من آفة الجهل، ولبنان من هادميه وطاعنيه ومستبيحيه..
ولك كل عام: وردة بيضاء لا تيبس. ودعاء موصول، وشوق لا يكلّ.. وأفئدة لا يطفئ نارها الزمان.
مهجة الروح. صنو السعد والوعد..
اشتقنالك!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00