8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نهضة تونس..

تتوالى برقيّات الطمأنة من حركة النهضة التونسية إلى الداخل والخارج في شأن كيفيّة وطبيعة إمساكها بالسلطة بعد فوزها في الانتخابات التأسيسية وبنسبة كبيرة. وهي تحاول القول، إنّ الإنجازات المتراكمة التي حظي بها البنيان الوطني منذ الاستقلال حتى الثورة، لن تُمسّ، بدءاً من حقوق المرأة وصولاً إلى النظام المصرفي مروراً بـالنظام السياحي الحيوي لكل الدورة الاقتصادية التونسية.
والحال هو أنّ كثرة التطمينات، تدلّ إلى وعي مكثّف من أهل النهضة التونسية الخاصة، وأهل النهضة العربية العامة الفالتة نحو النور والشمس والحرية، لخطورة استبدال عسف حداثي بآخر ماضوي أصولي, ولخطورة اعتماد لعبة مزدوجة ظاهرها غير باطنها، ومستورها غير المكشوف منها!
تخفّف تلك البيانات والبرقيّات والتصريحات الصادرة عن راشد الغنوشي وصحبه المنتصرين الذاهبين إلى قيادة حكومة جديدة لا تقوم إلا بالائتلاف مع قوى أخرى، من هواجس المهجوسين ومخاوف المتخوّفين، لكن لا تلغيها، باعتبار أنّ المثال التركي (المطمئن) لم يُطبَّق بعد ولا مرّة في دنيا العرب. في حين أنّ المثال الدموي الترهيبي الأشنع الذي شهدناه وشهده العالم من أقصاه إلى أدناه، مربوط قصداً وعفواً بقوى وتنظيمات أصولية ليست القاعدة ومشتقاتها إلا واجهتها الأكثر شهرة!.
وبالقرب من تونس، لم تقدم تجربة جبهة الإنقاذ الجزائرية (القامعة والمقموعة) في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولا تجربة حماس في غزّة في مستهل القرن الحالي، ولا ممارسات النموذج السوداني (على تجاريته وبؤسه)، ولا بعض ممارسات الاخوان في مصر، ولا ممارسات حزب الله في لبنان، ولا ممارسات بعض الخلاصيين العراقيين المتأثرين بتجربة ودعم و(مناخ) النظام الإيراني.. لا تقدّم كل تلك المروحة على تشعّبها، ما يشي باحترام مبدأ الخلق الخالد، الأول والأخير، القائم على تقبّل الغير ووجوده، كما احترام سياساته وتوجهاته وثقافاته وتربيته وتطلعاته.
ومع ذلك، لا يستقيم ذلك التوجّس الافتراضي، مع واقع ملموس يقول فيه أصحاب الشأن النهضوي التونسي، إنّهم فعلياً أفضل من صورتهم أو الصورة المأخوذة عنهم. وأنّ التجربة في المطلق، محكومة بقوانين ثبّتتها ثورة أبو الربيع العربي محمد البوعزيزي، وأوّلها وأهمّها وأخطرها، رفض الإذعان لنَفَس ديكتاتوري إلغائي إقصائي أياً كانت هويته وطبيعته ونظامه.
عدا عن ذلك، وكي لا يُقال الكلام بسرعة ويذهب مذهب الشطط والتعميم، يصحّ التذكير بأنّ الإحيائيين الإسلاميين المتفرّعين أو الخارجين من عباءة وأصولية الاخوان في مصر، كانوا عمدوا منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وفي ضوء التجربة الإيرانية وفشل تجربتَي السودان والجزائر، إلى إجراء مراجعة جذرية لخطابهم ولطرحهم السياسي كما لرؤيتهم للعالم. ثم جاءت حوادث 11 أيلول 2001 لتزيد من إدراك مخاطر الإغراق في رفع شعار الدولة الدينية في مقابل الدولة المدنية.. وهذا كلام يصحّ على اخوان مصر وسوريا ولبنان وتيّار العدالة والتنمية في تركيا، كما على حركة النهضة التونسية.
وكي لا تطول السيرة، وفي مطلق الأحوال، فإنّ فوز النهضة الذي فاجأ كثيرين كانوا يفترضون أنّ وجه تونس، كما إجماعها الأهلي وتراكماته، لا يأتلف كثيراً مع توجّه تنظيمي إسلامي حتى لو كان اعتدالياً أو وسطياً؛ ذلك الفوز، إنما يدلّ في المبتدأ والخبر، إلى قضية حاسمة، وهي أنّ الطريق إلى السلطة صار يمر عبر صناديق الاقتراع وليس عبر صناديق الذخائر والدبابات والانقلابات والعنف المسلح.. وهذه قصة كبيرة، بل هي أمّ القصص وأوّل ثمرات ربيع العرب!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00