إعلان قيام المجلس الوطني السوري من اسطنبول، دفع بعيداً موجة قنوط كادت تحيل الربيع العربي شتاء قارساً عزّ نظيره حتى في حقول سيبيريا الجليدية.
ليس سراً، ان تعدّد مؤتمرات المعارضة السورية على مدى الشهور الماضية كان مدعاة لقلق جدّي، ومبعثاً لتأويلات ذهبت بعيداً ولم تفد إلا النظام في دمشق ومطالعته التهويلية التي وصلت الى أماكن وعقول وهامات كان الظن انها أفطن من ذلك بكثير!
المقولة التي بنى عليها النظام سيناريوات يوم القيامة في حال سقوطه، كانت ولا تزال تركّز على ان البديل من نظام البعث لن يكون إلا حرباً أهلية، وسيطرة أصوليات وسلفيات وعصبيات وقاعدات وغيرها من تلاوين ارهابية حقيقية أو افتراضية، طبعت القرن الحادي والعشرين بميسمها وأطلقت حرباً عالمية لم يسبق لها مثيل.
وتلك الحالة الجهنمية الموعودة، تضمر في عرف أهل النظام ومذيعي نشراته التنظيرية، مخاطر جمّة حقيقية وفعلية على الأقليات.. وكل ذلك ناجم عن قصور أهل الأكثرية عن معرفة كيفية حكم أوطانها وسوس شعوبها بالتي هي أحسن وأحدث!!
ولم تحظَ تلك التخرصات بمدد مثلما حظيت به جراء تشتت المعارضة السورية، وعدم خلوصها الى بيان توحيدي وبنيان واحد. وكان المشهد مرعباً في ذاته، وأوحى بالكثير من المقارنات العراقية وغير العراقية.. بل ذهب ممانعون بالواسطة الى اشاعة خبريات، (وبصوت خفر للايحاء بصدقيتها)، من نوع ان سوريا بلد صعب، وكل سوري يعتقد نفسه زعيماً.. وان الفوضى التي ستلي سقوط النظام لن تكون إلا ولاّدة مدرارة لندم استثنائي، لن ينفع بعد فوات الأوان وانتشاء الخراب!
..لكن لم يكن المشهد في حقيقته الناصعة، ومنذ لحظاته الأولى إلا نقيضاً عملياً يومياً لكل ذلك الهرج: انتجت شجاعة الشعب السوري سيمفونية خلاّبة ومزدوجة. واحدة في الشارع من خلال إصراره على المطالبة بحقوقه المصادرة منذ خمسين عاماً، وتحدي النار والحصار بالصدور العارية والحناجر الملعلعة. وثانية بالشعار الذي عكس وعياً دقيقاً وعزيزاً للبلد وطبيعته وتلاوينه. الشعب السوري واحد كان الهتاف ولا يزال، وفي ذلك رد مختصر ومكثّف وواقعي على كل الدعاية النظامية المضادة.
سبق الشارع بهذا المعنى، المعارضة في الداخل والخارج. واستفاد النظام وآلته السياسية والإعلامية من تلك المفارقة، الى أن وصل الركب أخيراً الى مضاربه (حتى في اسطنبول)، وواكب منطق الأمور ونبض الناس..
مؤتمر اسطنبول بهذا المعنى هو أهم مفصل من مفاصل الثورة الراهنة: كسر نظرية الاحتراب والإرهاب والتهميش والتفتيت والتقسيم، وشلّح النظام واحدة من أهم أوراقه:غياب البديل!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.