منذ الأسبوع الأوّل لانطلاق ثورة الربيع السوري، واللافتة المنتقاة بفصاحة وعراقة من قِبَل نظام دمشق وأتباعه في بيروت، هي أنّ الأمر حُسم وانتهى.. وشهيرة، في هذا السياق، جملة بثينة شعبان في أواخر شهر آذار الماضي عن عودة الوضع إلى ما كان عليه ووأد المؤامرة في مهدها والمتآمرين في مهدهم.
وعند كل محطة تظاهرية أو سياسية فاصلة، كانت تلك اللافتة اللغوية تعود لتطل في أوّل الخطاب وأساس البيان. وفي الآونة الأخيرة زادت ترداداً على ترداد وتأويلاً فوق تأويل وإشاعة فوق إشاعة. والفيصل البتّار فيها هذه المرّة أنّ شهر رمضان مرّ على خير ولم يسقط النظام رغم أنّ الأميركيين كانوا يتوقعون ذلك (؟!) وأنّ تلك كانت قمّة التوقعات وأصل مبتغاها، وبالتالي فإنّ ما بعدها ليس إلاّ انحداراً معاكساً للصعود الذي وُضعت أولى درجاته في درعا الأبيّة.. انحدار في سيرة التآمر والمتآمرين على سوريا ووحدتها وممانعتها! وأنّ ما بعد ذلك لن يكون إلاّ استكمالاً لمسيرة الإصلاح التي بدأها الرئيس السوري. وأنّ على المراهنين رمي أوراق الرهان جانباً والتبصّر في خسائرهم وإعادة النظر في هذه الرياضة الذميمة المسمّاة قماراً مرّة واحدة وإلى الأبد!
والحال، هو أنّه سبق لكثيرين أن شخّصوا أداء النظام السوري على مرّ السنوات، وحيال أي قضية مطروحة في وجههم، وخلصوا إلى مراكمة انطباعات واستنتاجات كثيرة، غير أنّ أيّاً منها لم يصل إلى حدّ وصم ذلك الأداء بالغرابة ولا دمغه بالانتحارية. كما لم يدّعِ أحد أنّ سمة التذاكي تنقص أقطابه، بل مجمل الأحكام يخلص إلى تركيبة فولاذية مُدارة بشطارة التاجر أكثر من كونها مُدارة بذكاء مَنْ يعرف الحكمة ويعمل وفق متطلباتها، ومَنْ يعرف الدنيا ويعمل بشروطها وأحكامها.. والتذاكي أعزائي، غير الذكاء. وشطارة التاجر لا تشبه في شيء تشاطر رجل الأمن، والدولة شيء وسوق الخضار شيء آخر.. فالدولة بنيان، والسوق فيه إحدى غرفه وليست أساساته. ثم شتّان ما بين بيع أسباب العيش وبيع أسباب وأدوات مصادرة الحياة رغم تغليف تلك البضاعة بأوراق تدّعي تسويق الممانعة والمناتعة ومنع الشرذمة والتشظي والتفتيت الديني والعرقي والاجتماعي والكياني والمؤسساتي.
الخلاصة التامة المتأتية من قراءة ما هو واضح وفاضح تفيد أنّ نظام دمشق وصل إلى نقطة لم يصل إليها من قبل. لم تعد أوراقه تسعفه. ولم يعد هناك من يشتري بضاعته الكاسدة. دارت الدنيا دورتها ووصل الجميع إلى منصة واحدة مقابلة لمنصّته. الكل يراه وهو لا يرى أحداً. والكل يطلّ من منصّة الواقع وهو يطلّ من منصّة النكران والافتراض.. والكل يرى انحدار النظام، وهو لا يشيع إلا تخرّصات عن انحدار المتآمرين، والكل يبحث ويناقش في المستقبل القريب من دون وجوده، وهو لا يزال يعيش في وهم دوامه واستمراره.. غريب وهم الانتحاري عندما يفترض أنّه يقهر الموت.. بانتحاره!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.