8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النفس الطويل

جُمعة أخرى، وَجَمعة إضافية من تظاهرات ميدانية تؤكد بغضّ النظر عن مدى حجمها وحشدها، أن الوضع السوري صار أسير تركيبة تكاد تكون مقفلة ومستحيلة راهناً: لا السلطة وآلتها العسكرية والأمنية قادرة على إعادة تثبيت ركائزها وتتويج سياسة القمع بإشارة الانتصار، ولا الشعب السوري قادر، وفق آلياته الحالية السلمية على إسقاط السلطة، رغم نجاحه في إسقاط النظام.
لم تعد المراهنة مُجدية في حسابات الجانبين. بل صار النفس الطويل العنوان المركزي لتحرك كل طرف. لا شك في قدرة أهل السلطة وأقطابها على المواجهة الطويلة.. كما لم يعد هناك شك في قدرة شعب سوريا على البقاء في الشارع مهما طال الزمن.
أقطاب السلطة في الأساس هم أرباب في هذا النسق. بل هو علامة فارقة من علاماتهم. وواحد من أهم وأبرز عناوين تحركهم سياسياً وديبلوماسياً. قانون معقّد في علاقات الدول، حوّله الرئيس الراحل حافظ الأسد الى سلاح تلقائي بسيط وأورثه الى من خلفه. تتحمل الدولة التي حكمها، الانتظار طويلاً. لا ضغوطات بالمعنى المألوف في دول أخرى، يمكن أن تؤثر عليه. لا العقوبات الاقتصادية ولا السياسية ولا أي معطى آخر. كما لا توجد عناصر داخلية حزبية أو نقابية أو مطلبية أو اجتماعية يمكن أن تكسره. القبض التام على كل سوريا، أمن وعسكر واقتصاد وسياسة واجتماع، أتاح التصرف بطريقة خاصة جداً لا مثيل لها في أي دولة طبيعية في طول الدنيا وعرضها.
كان ذلك بالأمس ونميل الى الظن أنه لا يزال سارياً اليوم رغم انكسار آلياته وتحول وظيفته جذرياً، من مواجهة حالة خارجية، الى مواجهة حالة داخلية. قانون عام لا يتوقف عن الخصوصيات. بل يكاد يصير عادة طبائعية مكتسبة لا تنفصم عن عادات كثيرة أخرى تُميز الطاقم الدمشقي الحاكم ورئيسه.
.. لكن على الجانب الآخر من الصورة، هناك شعب سوريا، الخلل الأساسي القاتل لقانون الانتظار بعد أن حوّله من مصدر قوة الى نقطة ضعف مركزية: لا تقاتل سلطة الأسد وجيشها على جبهة داخلية في لبنان. ولا تقارع الولايات المتحدة أو غيرها في العراق. ولا تتعارك مع الاتحاد الأوروبي أو دول الخليج العربي أو مصر أو مبعوثي واشنطن على أصول التسوية السلمية في المنطقة أو على العلاقات بإيران، أو على شروط حفظ السلم الأهلي وبنيان الدولة اللبنانية. ولا تتمترس خلف ترسانتها الأمنية والإعلامية والترهيبية في النزاع مع الأمم المتحدة وقواها الأبرز، على المحكمة الدولية ومسلسل القتل في الساحة اللبنانية، بل تقاتل سلطة دمشق، بكل ما لكلمة قتال من معانٍ مباشرة ومجازية عدواً داخلياً غير مسبوق، قرر أن لا يترك موقعه بعد الآن، بل قرر أبعد من ذلك، أن يتحدى السلطة بأهم أسلحتها: النفس الطويل، رغم القمع والإحباط من جملة عوامل ذاتية وموضوعية وداخلية وخارجية.
انكسرت ركائز نظام البعث تحت وطأة النفس الطويل للثورة الشعبية التامة. وما بقي إلا اعتماد صلف السلطة وأدواتها العارية اعتماداً مفتوحاً رغم الادعاءات المعاكسة. مواجهة كاسرة لم تعد تحتمل أي خلل. إما انتصار تام وإما انكسار تام. والطرفان وصلا الى تلك النتيجة منذ اللحظة الأولى لانطلاق صافرة الثورة من درعا وليس بعد ستة أشهر على ذلك.
لم يقتنع أرباب النفس الطويل في سلطة الأسد علناً بذلك، لكن المؤكد، انهم يعرفون ضمناً، أنه جاء من يواجههم بالسلاح نفسه بل ربما هو أكبر منه: النفس الأطول.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00