يكاد الاستثناء يصير عادياً في راهننا المحلي والعربي والاقليمي. وقلّما احتشد ذلك الكمّ من الحوادث والتطوّرات في لحظة زمنية قصيرة مثلما يحصل في هذه الأيام. وفي ذلك لمَن يشاء، ما يوحي بارتباك في التدوين والتأريخ يماثل الارتباك الذي تولّده الحروب العظمى وما يليها من انهيارات حدود وسدود، وسقوط دول وأمبراطوريات وصعود غيرها.
غير أنّنا، على ما يبدو، لسنا أمام ذلك المستوى من التصعيد إنّما دونه بدرجات معقولة.. معقولة لكنها غير مسبوقة، وفيها ما يكفي ليطلّ ذلك الاستثناء إلى الواجهة ويماثل عاديات الأمور والأحوال.
والاستثناء في مجمله طبع العام 2011 منذ بداياته ولا يزال: جاء المستحيل ليتمظهر أمام الملأ. بدءاً من تونس مروراً بمصر وصولاً إلى ليبيا واليمن.. ثمّ درّة التاج في هذا البنيان كانت سوريا وثورتها. للمرّة الأولى منذ نصف قرن توالت الانهيارات بالنسبة للمفجوعين، والصعودات بالنسبة للآملين والحالمين والمنتظرين عند رصيف ميناء الزمن وصول باخرة التغيير للإبحار إلى الغد، حيث الحرّية العامة والكرامة الفردية الخاصة، تغلّفان نظاماً ديموقراطياً آن له أن يصل إلى روابينا بعد طول غياب.
وللمرّة الأولى منذ مئة عام، يُسمع كلام وتُقرأ كلمات وتُرى خطوات تتّصل باحتمال حصول شيء ميداني دراماتيكي على الجبهة التركية الإيرانية، والتركية السورية. عدا عن الجبهة التركية اليونانية القبرصية التي سجّلت في العام 1974 واحدة من أبرز محطاتها من خلال الإنزال العسكري التركي في الجزيرة النائمة بين الشرق والغرب، والعائمة فوق بحر من الغاز والنفط!
بل للمرّة الأولى في تاريخ المنطقة تُسمع وتُرى وتُلمس إجراءات طال الحلم بها في شأن العلاقة التركية بإسرائيل، وصولاً إلى حدّ أنّ الحديث عن انتشار واستعداد الأساطيل العسكرية في المتوسط صار خبراً عابراً يكاد لا يلفت نظر أحد.
.. للمرّة الأولى منذ أيام الانتدابات والاستعمارات في شمال افريقيا تُسمع خبريّات من نوع حصول مواجهة عسكرية بين الجيش التونسي وآليات مدرّعة ليبية عند الحدود بين البلدين، ولا يأخذ الخبر أكثر من إلتفاتة مهنية عابرة.
وقبل كل ذلك، يبقى الاستثناء المميّز في ماضينا وحاضرنا العربي يتعلّق بالقضية الفلسطينية ومساراتها. وفي ذلك يكاد سعي السلطة الوطنية وقيادتها ورئيسها محمود عباس نحو طلب الاعتراف الأممي بالدولة، أن يكون إضافة في غير أوانها بالنسبة إلى كثيرين! حدث مفصلي بكل المقاييس، وما بعده غير ما قبله، ومع ذلك يكاد أن يضيع في خضم سيل الحوادث الكبيرات الحاصلات عندنا وفي المحيط والمدار.
.. الاستثناءات في محلياتنا تكاد لا تُحصى. في قمّتها يطلّ منتشياً أداء عزّ مثيله في أزمان عابرات: يضيء ميشال عون وصهره ليل السياسة اللبنانية بأنوار إصلاحاتهم فتتحوّل الجمهورية المنكوبة إلى مصحّة عامة، إنجاز لم يسبق له مثيل، يتزامن مع زحف جيوش إلى أهلها لتسجّل عليهم، انتصارات لا ينقصها إلاّ شيء من العبث، كي تُربط كلها بالذات الالهية!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.