8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فوضى الكلام

يثير بعض المواقف السياسية الحارة الغضب بسبب عدائيته. ويثير بعض آخر مشاعر الاستفزاز بسبب صوابيته. فيما تثير مواقف أخرى دواعي وفروض المحاججة معها تبعاً لاشتباك قائم (وبارد)..غير ان هناك صنفاً من المواقف يثير حزناً ويولّد كآبة وقنوطاً. وذلك الصنف انهمر أخيراً كالسيل في غير أوانه، فخرّب ودمّر وأحدث فوضى.
ولان هذا النوع من الخراب آثاره طويلة الأمد. وإعادة إعماره قصية وبعيدة وغير واضحة المعالم، فإنه يتصاحب في رفقة درب مع الفوضى وضروبها.. والفوضى الفكرية والسياسية على ما يقول ثقاة وضالعون وخبراء محلفون، أخطر بكثير من الفوضى الرعاعية والزعرانية والشارعية. فهذه أوانها قصير، وعلاجها مربوط بتحرّك سلطة ما، عندها قدرات وإمكانات وهالات وتستطيع بنتيجتها ضبط الفلتان في آخر المطاف، ومنعه من التفجّر والتبختر أكثر فأكثر.
..أما الفوضى المتأتية من قراءة نصّية فكرية تفكيرية، فهي تقارب، ومرة أخرى على ما يقول ثقاة وضالعون وخبراء محلّفون وشغّالون في التاريخ وأحواله، ان تكون تكفيرية، بالمعنى العملي العادي اليومي والساعاتي، وليس بالمعنى الديني الناشف والحاد والقاطع.
وفوضى الكلام، ضروبها منتشرة هذه الأيام وسارحة في فضاء من الخفّة المخيفة.
كان الظن مقيماً في نواحينا، ان المقام يفرض المقال. وان الثقل الراهن لحوادث أيامنا وخبرياتها، يفرض ثقلاً موازياً في القراءة والتقرير والحسبان. ويستدعي بحكم الضرورة، حضور الهمّ حضوراً طاغياً باطشاً خشية تفلت خطير، غير مقصود (أو مقصود)، في كلام، أو تعليق، أو استنتاج سريع، أو انفعالي، فيما الخطب جلل والناس في وجل.
وكان الظن غالباً ومقيماً في نواحينا، ان الشدّة تصفّي تعكير الفكرة. وان القلق مدعاة للتروي. وان الخوف ولاّد للإبداع وافتراض الأمان والاطمئنان.. وكان الظن، ان كل ما سلف، هو شغل نخبوي. وعدّة المنتقين. أهل المهمات الكبيرات، والأدوار الخطيرات، والمراكز الحساسات. وان هؤلاء القوم هم صفوة مفترضة، أكانوا في عداد الأصحاب، أم في عداد الاغراب. وفي خطواتهم وحكاياتهم وسياساتهم، تحضر خلاصة التاريخ، وتراكم التجارب في الحكم والبصائر والمعارف الغائبة في تفاصيلها وخلفياتها عن العموم..
وكان الظن بعد ذلك بقليل، ان الفطرة الجامعة أقوى من الغريزة في عالم اليوم، وان نشدان الأمان يستدعي دراية استثنائية، تأخذ في الاعتبار سرعة الانتشار فيُعتمد التروي والتمهّل والتنقل بهدوء على دروب مليئة بالشوك..
..كان الظن أكثر من ذلك، لكن الظن خاب. وفي ظل القنوط غاب. وفي ذلك بجملته، بيان للفوضى، التي لا تثير إلا كآبة لا قعر لها!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00