يصرّ خطاب الممانعة على إبلاغنا أنّ أهله وأصحابه في أحسن حالاتهم، وأنّ جلّ الدنيا إنما يدور فقط على قوس إنجازاتهم وفتوحاتهم ونضالاتهم وسياساتهم وأنظمتهم (ما تبقّى منها)، وأنّ الجزء الآخر من هذه الدنيا المنقوع في مياه آسنة لن يطول به المطاف بعد اليوم قبل التسليم بما سلف، والكفّ عن التنتيع بالاتجاه المعاكس.
.. سبق لخطاب المحو والرمي في البحر أن سيطر على الأداء العربي في الشارع والشرعية ولسنوات طويلة. وكانت كلفة المماججة أو محاولة الاندفاع الشجاع لتوليد خاطرة معاكسة لذلك الخطاب مكلفة فعلياً لأصحابها. بل لم تتوقف في مرّات كثيرة عند حدود الإلغاء الجسدي بعد ممارسة كل طقوس الإلغاء المعهودة بالإعلام والسياسة والمعنويات والكرامات، وما انسلّ وتفرّع من ذلك الجذر الإنساني القيمي الكبير.
.. وسبق لعموم العرب في الشارع والشرعية على حد سواء أن حصدوا نتائج تلك الظواهر الصوتية البائسة: كوارث لا تزال آثارها ماثلة حاضرة في احتلال الأرض، وتعطيل العقل، وتكليس الفكر، وإلغاء السياسة، وتفطيس الاقتصاد، وتسميم الاجتماع، وتعليق العمل بالقضاء، ثم الأهم من كل ذلك، تأطير وتنظيم كل ذلك الجنى في سياق أنظمة ربضت فوق الناس وأكملت على الباقي!
رغم بعض الفروقات بين الأمس واليوم، يظلّ ذلك الخطاب منتشياً برعونته، مُطلقاً أحادية تفكيرية ما عادت تليق بالزمن وأحواله. ولا بالمنطق وأحكامه. ولا بالعلم ونفيه للتحريف والتخريف.. لكن الجديد ربما، هو أنّ اصحاب ذلك الأداء انتقلوا من دائرة الشك إلى اليقين: ما عادوا يصدّقون الكثير ممّا يقولونه هم! وما عادوا يشترون الكثير من البضائع المنتهية المفعول والصلاحية التي يبيعونها للناس.. يعرفون ويبلفون، والتيسنة في أحلى أيامها!
.. ما عاد خطاب مقاومتهم يشكّل رافعة لا ضيم فيها للعموم، كما كانت مثلاً منظمة التحرير الفلسطينية في عزّ صعودها. رغم أنّه تحت سقف الاطار العام لقضيتها، نُخرت المجتمعات العربية بسوسة أنظمة الاستبداد والعسف والبأس والقنوط.
تغيّرت المقاسات واختلطت. والمقاومة الراهنة لم تعد في وجدان الجمهور المفترض العريض والغائب، وليس الخاص، إلاّ تعبيراً عن أداء حزبي فرعي. وأداة داخلة في سياق ماكينة اقليمية متعدّدة الأدوار. همومها أبعد من هموم عموم العرب. وأهدافها لا توفّرهم ولا توفّر دولهم وأمنهم واقتصادهم في سبيل الوصول إليها. وما عادت أنظمة الممانعة تستحي في أدائها أو تغلّفه بأي اطار. صارت جيوشها فعّالة بعد طول ركود وركون وهمود وسكون. عرفت وظيفتها وانطلقت إليها بفخر! لم تترك قرية أو بلدة أو مدينة أو زاوية أو شارعاً من دون اقتحامه وتحريره. ولم تترك أداء محاكياً لأداء المحتلين إلاّ واعتمدته. ولم تترك فوق ذلك وتحته، أي فسحة للخبل إلاّ واستثمرتها حتى آخر شريان في الدماغ!
خطاب عنيد. يعاند العصر وأحكامه القاطعات، ويعيش على مؤونة بائدة وخائبة، وعلى رؤى ثبت بالملموس المحسوس أنّها ما عادت تحرّك شعرة في رأس جيل نهضوي عربي قرّر أن يتحرّك وفق أولوياته وطموحاته وحقائقه وحياته!
خطاب آن له أن يخجل قليلاً، ويكفّ عن لعبة التورية والتمويه المملّة والكسيحة أخلاقياً: يسمّي الاذلال والامتهان والقمع ممانعة. ويسمّي التجارة المفتوحة بالدم فعلاً داعماً للمقاومة. ويسمّي ثورة الناس تآمراً.. يحاكي ممارسات الوحوش ويسمّي ذلك حفظاً للنظام العام!
أنظمة دمار شامل، قضت على الماضي وحطّمت الحاضر، وتعمل بدأب على توريثنا مستقبلاً من الخراب العميم والعظيم!
يا ليل العرب أليس الصبح بقريب؟!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.