مثل قصة حقول النفط والغاز المدفونة تحت سطح البحر، جاءت قصة الكهرباء لتقدم للمرة الثانية في غضون أسابيع قليلة، شهادة إدانة ناصعة البياض، نافرة الحرف، واضحة المبنى والمعنى لنظام الممانعة الأمني المشترك الذي حكم لبنان وتحكّم به وبأهله على مدى عشرين عاماً، وجعل كل خطوة إنمائية أسيرة مصالحه وحساباته قبل أي شيء آخر.
وذلك الشيء الآخر، ليس إلا معاناة اللبنانيين من دون استثناء جراء أزمات معيشية وإنمائية مهينة، بقدر ما هي ظالمة ومجحفة ولا تليق بأي بلد في عالم اليوم.
حل ملف الكهرباء هذا الذي يشبه الجرصة، يؤكّد الاتهام السياسي ويدعمه بقرائن تامة: على مدى السنوات التي تلت الحرب، ظلّ الملف في عهدة التركيبة الأمنية الحاكمة ورموزها. ومُنِعَ الرئيس الراحل رفيق الحريري من مقاربته أو محاولة التصدي لمعالجته، بل واستُخدم في سياق الحرب المفتوحة عليه بواسطة اتهامات تزويرية تطاولت على إنجازاته، من خلال تحميله وزر تلك المأساة واستخدامها للتفخيت المقيت به وبما يُعيد بناءه.
ملف يوازي مغارة لا يعرف الداخل إليها كيف يخرج منها. مافيات متناسلة ومترابطة، تبدأ بالفيول ولا تنتهي عند عقود الصيانة.. وأسماء كبيرة متنافرة سياسياً متلاقية مصلحياً، تواطأت طوال ذلك الوقت على إبقاء الكنز بعيداً من عيون المتطفلين والواهمين ببناء دولة عصرية تليق بأهلها. كلف تواطؤها اللبنانيين أثماناً باهظة في المال والاقتصاد وقبلهما في عيشهم وكراماتهم، بل في كل شأن من شؤون اجتماعهم.
ملف شكّل جزءاً من كلفة مشروع النظام الأمني الذي حكم وتحكّم وطغى وتجبّر، ووصل الى حد تفجير مقومات المشروع الدولتي الحداثي اللبناني المقابل، والامعان في حرب إلغاء ضده ما زالت تتوالى فصلاً تلو آخر.
التأخير في إقرار قوانين استثمار مخزون الطاقة في البحر يوازي التأخير في إقرار قوانين البدء في معالجة طاعون الكهرباء. والأداء المزدوج ذاك ليس إلا عيّنة لا تخطئها عين، عن أكلاف خطف لبنان واللبنانيين الى حالة ظالمة فيها من الأحمال والأثقال، ما لا طاقة لدول وشعوب أكبر على حملها وتحمّلها.
تصحيح الأخطاء لا يلغي تأثيراتها، وبعض العزاء لا يعوّض الخسارة وفداحتها.
والسؤال التلقائي الآن هو: كم سينتظر اللبنانيون بعد، كي يعرفوا الأكلاف الأخيرة التامة والناجزة لمشروع ممانع ليست الكهرباء إلا لمبة واحدة أضاءت في كهفه المعتم!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.