صحيح جداً، ذلك الافتراض النبيل القائل إن العالم العربي في مجمله نسيج قائم بذاته. لا يشبه إلا نفسه. ولا يُقارن بأي جغرافية سياسية قريبة كانت منه أم بعيدة.
وصحيح أكثر، ذلك الافتراض القائل إن شعوب المنطقة العربية لا تختلف عن بعضها إلا بهويتها الكيانية الضابّة لها، فيما هي عموماً متناسلة من جذر واحد. في لغتها وطرق عيشها وتفكيرها وانفعالها ومقاربتها للحداثة وآلياتها سواء بسواء.. ويمكن لذلك العلم الجيني ان يبصم بحكمه العلمي القاطع على ذلك، ويقدم لروّاد القومية الشاملة شهادة تقدير على استشرافهم تلك المسلّمة رغم انطلاقهم بداية من معطيي اللغة والدين ليس إلا.
غير ان ذلك كله، لا يلغي المتناقضات والتمايزات القائمة في صلب هذا النسيج. ولا يهشّمها. كما لا يرمي تحت سجادة وحدة الجذر والتكوين بقايا الفروق الفرعية الآتية من تلاوين الطائفة والمذهب والحيّز الجغرافي. ولا يلغي فوق ذلك، التطلعات الفئوية الآنية من تلك التلاوين، ولا الحقّ فيها ولا التطلع الى التمايز إذا كانت شروطه متوافرة.. وحدة الأعراق لا تعني في عالم اليوم وحدة الكيانات والدول. كما لم تعنِ سابقاً، في أمس قريب، وحدة قسرية، سجينية فرضية. جرّب ذلك هتلر أكثر من بسمارك بعده، فقامت القيامة ولم تقعد إلا على عالم مختلف فيه من المقابر بقدر ما فيه الجنائن ودُور الحياة وشروط استمرارها.
قبل عشرين عاماً انتهت الحرب الباردة بانتصار لغة السوق الحرّة والحداثة على لغة الأدلجة والسوق الموجهة فوقياً والقوالب الفكرية الآتية من عصر آخر. وأخذت دول وشعوب ما كان يُسمّى بـالمعسكر الاشتراكي نحو نصف قرن قبل أن تتمكن أخيراً من اللحاق بركب العالم الليبرالي الذي نعرفه.. وللتاريخ الحكم بأن ذلك ما كان إلا مواكبة طبيعية لروح العصر وآلياته وطرقه وعلومه وثقافاته وفنونه واعلامه وانفتاحه وانكشافه. وتلك المواكبة لم تكلّف مجازياً ومباشرة، إلا القليل، نسبة الى ما كان يدفع سابقاً من أكلاف لا يمكن تخيّل حجمها المادي والبشري، نتيجة اللعب بالخرائط وسقوط الامبراطوريات والسلالات!
..بعد عشرين عاماً على ذلك، بدأ عصر العرب. والمقارنة في بعض نواحيها الجغرافية لا تزال معقولة. في حالتي مصر وتونس تمت مواكبة العصر بأكلاف محمولة. بل هي، مقارنة بليبيا واليمن وسوريا، لا تُذكر ولا يُعتَّد بأرقام ضحاياها. حتى في لبنان، وهو الأساس السبّاق في تلك المواكبة رغم كل التخرصات الممانعة (السياسية الهوى) كان التغيير عصياً على الكسر، ووقف بين منزلتين: اشتباك كبير. أقل من حرب أهلية مفتوحة، وأكبر من مجرد أزمة عابرة متعددة الجوانب.
في الإطار العام، تبدو وحدة الشعوب العربية أكثر تجلياً في حركتها الراهنة من كل ما يمكن تخيّله من قوالب سعت وراء ذلك الشعار لترجمته بالغصب السلطوي أو بالتنظير الحزبي.. تبدو تلقائية وعفوية ومُعدية وطبيعية وغير قابلة للكسر، والسد السلطوي الذي حجب طوفان الحرية أصيب أخيراً بأضرار بليغة في جسمه وأساساته، وبطريقة عصيّة على أي محاولة تصليح أو إعادة إعمار. ولا شيء بعد اليوم سيبقى على حاله غداً. وعبث كل احتمال آخر.
بهذا المعنى الجليل والنبيل، تبدو وحدة العرب أخيراً في مكانها الزمني الأكيد. مواكِبة للعصر ومعناه الأول الذي يعني الحرية. ونقطة على السطر. وهذه المفردة، بعيداً عن الشعر والهوى التأليفي والبلاغي، هي إنعكاس حتمي لعالم اليوم، عالم السوق المفتوحة والفضاء المكشوف والإعلام العصي على الضبط في مناهج الحزب الواحد... وكلنا في الحريةعرب!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.