لم يترك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وقتاً كافياً للفلسطينيين والعرب للتمعّن في خطاب باراك أوباما. عاجله على الفور، وأنهى مفاعيله في أرضه، معلناً باختصار شديد أن قصة العودة الى حدود العام 67 غير واردة.. والباقي تفاصيل.
على الجانب الفلسطيني، كان المشهد مختلفاً. حماس امتعضت بخفر، وكادت تخبر أوباما أنه أخطأ في توصيف موقفها من شروط التسوية ومعنى المصالحة مع فتح. وفي ذلك بحث آخر، لكن الواقع الراهن يقول إن المصالحة في حد ذاتها قائمة على أساس مركزي هو اتفاق الفلسطينيين في الإجمال على الاستمرار في اعتماد خيار البحث عن تسوية..
لكن القصة مع خطاب أوباما ليست في سقطاته هذه، إنما في سياقه العام ولغته الإطارية الشاملة في ما يخص النظر الى ما يحصل في المنطقة العربية في الإجمال.
والأمر لافت. وبسرعة (لو سمحتم)، إذ إن السياق المذكور قارب قضية الحركة التغييرية التي انطلقت من تونس وحطّت في مصر ولا تزال سارحة الى مبتغاها في ليبيا وسوريا واليمن، من منظور مفاجئ لا يتلاءم والصورة النمطية المألوفة عن السياسة الأميركية التاريخية في المنطقة.. أو عن الصورة التي يبذل ممانعو آخر زمن، جُلّ جهودهم لترسيخها رغم انقلاب الأدوار! صورة الساعي الى تفتيت المنطقة العربية وتقسيم شعوبها وتفتيت كياناتها، خدمة لإسرائيل أولاً، وتيسيراً لهدف السيطرة عليها وعلى ثرواتها ثانياً ودوماً!
كل جملة مما سلف، بل كل كلمة تحتاج الى إعادة صياغة جذرية. والجدال في ذلك يمكن أن يستمر الى ما شاء الله. لكن في العجالة يُقال إن مقاربة أوباما لموضوع النزاع الطائفي في مصر مثلاً، بدت وطنية صافية الى حدود تلامس وطنية أحمد عرابي وسعد زغلول ومكرم عبيد.. وبدلاً من الدقّ على وتر التمايز الديني، بحسب المنظومة المألوفة للممانعين الوحدويين، فعل العكس تماماً، وطرح شروطاً لا بد منها، لتعزيز البناء الديموقراطي المتنور في مصر ولأهلها.
في أماكن أخرى، أطلق أوباما أيضاً سمفونية وحدوية لا تليق إلا بميشال عفلق وأحفاده الميامين!
.. المتآمر الأول المفترض على وحدة العرب والمسلمين يفعل ذلك فيما ينتشي الممانعون الوحدويون، ومنذ تفجر الحالة الشارعية الراهنة، بضخّ يشيع بفرح وحبور، حالة تفتيتية طائفية ومذهبية تبزّ في رعبها تلك المفترضة في مخططات الأميركيين!
لا يكل هؤلاء، أبناء وأحفاد مطلق شعاري وحدة وحرية في سياق منظومة الرسالة الخالدة.. من التحذير المرير والخطير والتهديد بمذابح وإبادات ستلحق مثلاً بالمكوّن المسيحي في المشرق العربي إذا ما انهار البنيان السلطوي القائم هنا أو هناك. والعراق في عرفهم شاهد ملك على ذلك.. رغم أن من فظّع بالعراقيين في الإجمال والمسيحيين منهم تحديداً لم يكن إلا أهل المقاومة المتماهية مع أبو مصعب الزرقاوي وأشباهه، والمدعومة من أهل الممانعة أولاً وأخيراً..
كما لا يكتفي أبناء وأحفاد منظومة الوحدة والحرية في الدقّ على وتر التشظي المذهبي. بل غالب الظن أنهم يدفعون بدأب إليه، ويربطونه بالتلويح والتصريح بتهديم هيكل المنطقة من أولها الى آخرها، إذا ظلّت مسيرة وحدة الانتفاضات العربية على وتيرتها متجهة صوب الحرية الغالية إياها!
.. موجبات الضمير تستدعي الإفصاح أكثر: مشروع الممانعة منذ ما قبل الراهن العربي، يقوم في جانب مركزي منه، على توسّل الحروب الأهلية، الطائفية والمذهبية والعرقية، كي يحفظ منصّته ودوره. إسألوا اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين عن ذلك، قبل الوافدين الجدد الى هذا الطقس.. ولأخذ العلم فقط!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.