يحضر الدوران وتحضر معهما المقارنة حكماً وإكمالاً لمنطق الأمور وسويّتها.
تركيا من جهة وإيران من جهة ثانية.
الأولى آتية من غياب طال مع العسكر وحكمه المديد، وقبله إرث أتاتورك وخريطته الثقافية، وعائدة بزخم مع العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان، ومثال مطروح أمام عالم عربي راهنٍ يخرج من مرحلة ليدخل في أخرى، تتحرك في خضمّ صعب، وفي ظل ارتباك لا مثيل له، وتحظى بثقة الآفلين والآتين من دون أي ارتباك أو أسئلة أصعب من المعتاد والمألوف.
ليس أمراً عادياً أو بسيطاً أن تكون أنقرة اليوم في موقع المقبول من متقاتلين، كلٌ منهم يحمل ممحاة في يده لشطب الآخر. تعرض التوسّط ويُعرض عليها. وفي الأفق دائماً تزاوج بين المصلحة الوطنية التركية والمصلحة العربية العامة!
قيل سابقاً ويتأكد اليوم، إن أنقرة أردوغان وجدت المجال العربي مفتوحاً أمام تكريس علاقة مختلفة جذرياً عما سبق. وعكست المسار: التقارب مع العرب يعني ابتعاداً عن إسرائيل. سابقاً كان العكس هو السائد، وتبريراته انطلقت من توليفة تستند الى تغريب كل شأن تركي وصولاً الى العلاقات بالخارج والمحيط.
وبغضّ النظر عن السياسة والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، فإن الموقف التركي يُقاس راهناً بما هو أبعد من أحكام كل ما سلف، ومعها أحكام المصالح الناشفة. إذ انه يتلبّس بُعداً أخلاقياً واضحاً: الإطار العربي المكسور ليس فرصة لبسط نفوذ أو استغلالٍ مريضٍ خدمة لمشروع خاص. بل العكس، هو فرصة لتقديم ما يلزم من مساعدة لإعادة تلحيم ذلك الإطار ووصل ما انقطع، وعرض دور يُنتج في الأول والأخير مصلحة مشتركة ومتبادلة. والانطباع الذي يولّده ذلك الأداء لا تشوبه شائبة خطأ: لا تستغل أنقرة الإرتباك الدموي عند جيرانها العرب بل تجد فيه مدعاة لخسارة أكيدة.
على العكس من ذلك، ومن الأخير: لا يترك الانطباع الذي يولّده الحراك الإيراني إلا النقيض. هكذا كان الحال مع تنامي دور طهران وأصابعها من لبنان، الى العراق، الى فلسطين، وصولاً الى الخليج العربي. مروحة واسعة من التدخلات الفظّة في كل شأن مُتاح وممكن، لا بل سعي محموم وواضح لإنضاج أي بذرة يمكن أن تثمر موطئ قدم لمشروع امبراطوري أكبر من قدرة أصحابه على حمله!..وبغضّ النظر عن أكلافه.
تعرض طهران طموحها ولا تخفيه. وتريد تدعيم بضاعتها المعروضة على الشاري الأميركي والغربي المفترض، من خلال إقامة منصّات بيع في أكثر من مكان. والطرق التي تتّبعها لذلك الغرض تحور وتدور حول أوضاع كارثية تبدأ بالفتنة المذهبية وتنتهي بالحروب القومية. ما يجعل السؤال ينطّ لوحده عن الفائدة الأخيرة التي يمكن أن تجنيها الجمهورية الإسلامية لخدمة مشروعها إذا كان الثمن تخريب اجتماع المسلمين، وتقديم المذبحة باعتبارها أول بند في جدول أعمالهم الحديث؟!
والسؤال يولّد غيره: أين هي المصلحة الفعلية للمشروع الإيراني في ظل خراب دموي، ودمار اقتصادي وإنساني كبير، لم تكن حرب السنوات الثماني مع العراق إلا عيّنة مثلى له؟! وأين هي مصلحة المسلمين في الإجمال في إنتاج صورة مذهبية لكيانهم تُنسي في أولها وآخرها التحديات المشتركة التي تواجههم، إن على مستوى التنمية أم على مستوى النزاع المصيري مع الإسرائيليين؟!
طموح إيران على حساب العرب والمسلمين. طموح تركيا لحساب العرب والمسلمين. وشتّان بين الطموحين والدورين!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.