8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في جريمة الرفض..

ما زالت تطنّ في رأسي كرنين الجرس يا اخوان، خبرية الرئيس سعد الحريري عن فحوى الـس.س والنتائج التي كانت متوقعة من ذلك الحراك، وفي مقدمها وأهمها وأبرزها عقد مؤتمر للمصالحة العامة والشاملة في الرياض.
رنين ذلك الجرس أقوى من قدراتي على الإصغاء. ولذلك منطق واضح إذ ان الخبرية المذكورة تكررت وقيلت في مناسبتين، ومع ذلك فإن ماكينة الممانعة عندنا وعند غيرنا بقيت معطوبة وكأنها غير معنية، أو كأن الأمر يطال خبراً شارداً في براري أميركا الوسطى أو أفريقيا الوسطى أو أي وسطى كانت، ولا علاقة له بحياتنا ومصائرنا وبلدنا وكل بلايانا!
..وما زالت تلك الماكينة معطوبة ويبدو أنها ستبقى. علماً انها من ذلك النوع الذي لا يتعب ولا يكلّ ولا يملّ ولا يحلّ بالتي هي أحسن. وعلماً ان حركتها في السياسة والإعلام مؤطرة ومنظمة وخبيرة، ويُعتدّ بها في فنون الاضاءة والتعتيم، والنفخ والتنفيس والتفخيم والتحقير.. وعلماً انها ذات باع طويل في فنون المبالغات والتضخيمات وتحويل الحبّة ما غيرها الى القبّة ما غيرها، كما في فنون الركّ على محاولة إقناعنا بما هي مقتنعة به أصلاً من أن الشمس تشرق من جهة قبرص!
ولا تفسير لتلك التعمية على ذلك الأمر الجلل، إلا عبر احتمالين لا ثالث لهما، والثاني أنكى من الأول وأمرّ. إما أن الرئيس الحريري أصابهم بصدمة غير متوقعة فأقعدتهم لأن التزوير ما عاد ممكناً، وتحريف الوقائع ما عاد قائماً، ودسّ الاخباريات والاشاعات ما عاد متوافراً وبالتالي آثروا الصمت على مضض وربما على حياء.
وإما، وهذا هو الأرجح، ان الخبر في حد ذاته كشف عمق المشروع الذي يحملونه وفيه ضيم عام لا يقوى أحد على تبريره!
ومن جديد، سأدقّ على ذلك الوتر المشدود وأتّكل على الله كي لا ينقطع وأقول: إن من يرفض تسوية على ذلك القدر من الجذرية والتاريخية يعرف أن مشروعه لا يمشي في مناخ غير إسبارطي، ولا يمشي في بلد متعدد ومتنوع ومنفتح وموصول بالكرة الأرضية وليس بعالم مغلق وقائم ومكتف بذاته. ولا يمشي في مناخ جدلي يفلّي القملة، ولا يمشي من دون ضخ توتيري هيّاج صاخب ضارب بالليل والنهار. ولا يمشي في مناخ تظلله شبهات ممارسة ديموقراطية أياً كانت. ولا يمشي طالما ان السؤال ممكن والجواب مستحيل. ولا يمشي طالما ان الحياة هي العنوان وليس نقيضها. ولا يمشي داعياً الناس الى المشي معه طالما ان الآخرين القريبين والبعيدين قاعدون وباركون في أماكنهم وأنظمتهم وجيوشهم ومؤسساتهم. ولا يمشي طالما ان الحمل أثقل من القدرات القائمات. ولا يمشي طالما ان المناخ المدني اللبناني العام متفلّت الى ذلك الحد، ويطغى على المناخ العسكريتاري إذا سادت سوية هادئة وتلقائية وطبيعية.. مشروع يعرف أكثر من غيره، مقدار غربته حتى عن بعض بيئته، ومقدار تطرفه في مقام ما قام ولا يقوم أصلاً إلا على الاعتدال!
مشروع لا يمشي إلا على القسمة فيما التسوية إجماع. ولا يمشي إلا على التوتير فيما التسوية تهدئة. ولا يمشي إلا على الجمر فيما التسوية بياض نفناف منعش لكل روح وحياة. مشروع يعرف كم هو مغلق ومستحيل في بلد مثل لبنان. لهذا رفض أصحابه التسوية، وصمتوا عن كشفها ليغطّوا عريهم!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00