ما كان في ظن أحد إلا الذي صار.. منطق الأمور وبديهيات التفكير والحسابات الباردة ومقتضيات البقاء وآليات رفض الإذعان والانسحاق والتسليم للباطل، كل ذلك، أنتج ما قاله وأعلنه الرئيس سعد الحريري من البيال بالأمس.
لا مفاجآت ولا بهلوانيات. فمن رفض الدعوات المسمومة الى الانتحار السياسي والأخلاقي، رفض ويرفض محاولات الاغتيال السياسي، له كشخص وله كحامل لمشروع وطني عام. كما لتياره وجمهوره وخطّه الأشمل المتمثل بقوى 14 آذار وما تعنيه من تماه أكيد مع لبنان، الوطن والكيان والجغرافيا والدور والمعنى والمبنى.
أخطأوا معه كثيراً. وافترضوا فيه ما ليس فيه. أو بالأحرى ربما عرفوه ويعرفونه جيداً، لكنهم غامروا وراهنوا وخسروا مجدداً في الحساب والتوقعات... ظنوا، على جاري عادتهم، انه يمكن أن تكون الرشوة مفتاحاً لقفله. بعدما عجز الترويع والتهديد، وبعدما عجزت ممارسات البلف والتزوير أو الاستخدام البدائي لفعل الخديعة، كما ظنّوا ان عظامه طريّة وان هذه قابلة للتطويع، ليس للكسر وليس للعصر وانما للقولبة وفق إرادتهم... ومرة أخرى فاجأهم!
ظنّوا انه يفتش عن شيء سلطوي. وانه قد يجاريهم في المستحيل لانه يبحث عن دور لا يكتمل من دون إرادتهم! أو بالأحرى ظنّوا، ان هذا الفتى اليافع يبحث عن ذاته ويريد الغربة لإكمال تلك الذات.. وأي غربة تلك التي افترضوها، وأي خيال مريض ذلك الذي أوصلهم الى أحكام ناقصة ومبتورة ومشوّهة. فاجأهم بالتأكيد!
لم ينتبهوا الى انه شاطر في الحساب. ويعرف تماماً معادلات القياس العلمي. عدا عن انه مثل أبيه الراحل، لا يقترب ولا يعرف الاقتراب من منطقهم وحساباتهم وميزانهم. وفي تلك الحسبة البسيطة لا يمكن بالنسبة اليه، أن يكون الدم في كفة من الميزان خاضعاً للمساومة، فيما السلطة في الكفّة الأخرى: تتنازل هنا فتأخذ هناك، أو تعطي من بلدك فتأخذ لنفسك، أو تنسى الذي خلّفك فتكسب التركة التي نحددها نحن لك.
أخطأوا في الافتراض من الأساس. مع انهم كانوا يعرفون ان لا منّة لهم عليه. حمل بعد أبيه أمانة أبيه: وطن لا بدّ من كسر قيده، ولا بد من إطلاقه الى الحياة والنور والعالم. ولا بد من الإقرار لأهله بحقهم في العيش كأحرار كما كانوا على مرّ التاريخ. لا أوهام كبيرات ولا افتراضات مستحيلات ولا غشياناً عن قراءة الخارطة كما هي، كما لا مراهنات آتيات من جغرافية مفترضة. الواقعية تنفي الشعر والفلسفة. وتلك الواقعية تعرف التمييز تماماً بين الصديق والشقيق والعدو والغريب. وتعرف تماماً القدرات الذاتية، والأحمال الممكنة، والأدوار المستحيلة.
ما أراد إلا العدالة في توزيع نسب الممانعة بالعدل والقسطاس وتخفيف العبء عن كاهل الأضعف. فلنكن جزءاً من تلك المنظومة العربية الشاملة. نلتزم ما تلتزمه، ولا نزايد من موقع مقيم بين القبور والخرائب. وطني ليس مقبرة. وليس حرباً دائمة، وليس ساحة للاستعراض. وأهله ليسوا ضحايا دائمين وأبديين. كما انهم ليسوا روّاد موت أبدي وإلا ما أراد لهم رب هذه الدنيا أن يولدوا ليعيشوا أولاً!
كسروه لأنهم في محل آخر، معاكس تماماً لكل ما سلف. ومثلما فعلوا مع أبيه أرادوا أن يفعلوا معه. لكن مثلما كان الحال مع السلف هو ذاته مع الخلف. لو أراد لدانت له الدنيا (دنياهم): فقط مطلوب التوقيع على صك التنازل عن وطنك وأهلك وربعك. أو أذعن للقوة البطّاشة. لا فعل هذا ولا ذاك ولن يفعل. وفاجأهم من جديد!..
لكن لم يتفاجأ اللبنانيون السياديون والاستقلاليون والأحرار. لانهم أيضاً واقعيون لا حالمون، ومنطقيون لا غوغائيون، ومنتصرون بإرادتهم لا بسلاحهم، وبوطنهم وليس ببدائله!
لم يتفاجأوا عندما سمعوه، فهو سرّ أبيه الباقي دائماً، يأسرهم بحضوره كما باستشهاده، كما باستمراره.
سعد الحريري. سلمت وسلم لبنان الى الأبد!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.