ليس أسهل من التنظير عن بُعد.
يصحّ ذلك في مقاربة الشأن المصري الراهن، كما في مقاربة الشأنين التونسي واليمني وبطبيعة الحال الشأن اللبناني، وخصوصاً أنه، بحكم شفافيته ووضوحه وانكشاف كل مستور فيه، صار مادة سهلة للتعليق والتعليك لكل ضارب بقلم، أو ناقر على جهاز تقني أصمّ، بل لكل من يريد إبراز عضلاته الفكرية تغطية لشطط فيها أو فيه، أو تمويهاً لغرضية عرجاء!
.. ليس أسهل من هذه اللعبة، علماً أن السوية المنطقية للأمور تفيد في غابر الأزمان وحاضرها، وفي مطلع البيان وختامه، وفي اللغة المحكية وتلك الآتية من تراكم يُعتدّ به في الفصاحة والثقافة، أن أهل مكّة أدرى بشعابها، وأن التورية في تغليف الغرضية بكلام منمّق يدّعي حرصاً على صاحب الشأن أكثر من صاحبه، لم تعد بضاعة تصلح للبيع في سوق مكشوف يعرف فيه الناس بعضهم بعضاً من دون أي ستر يغطي أي عَوَر!
تكررت وتتكرر هذه القصة على مدار هذه الأيام الضاجّة بكل حدث مُبين، والصاخبة بوقائع جليلة تختصر الزمان والتاريخ، وتكثف سيلان الحبر في صفحاته.. علماً أننا في زماننا المكشوف هذا، صرنا نأخذ ما سلف من ذلك التاريخ بعين الشك والسؤال، طالما أن وقائع رَاهِنة، يخبرها كلٌ على هواه وحسب أهوائه وفرضياته! فكيف الحال في ما مضى حيث لم تكن هناك كل تقنيات التسجيل المعتمدة اليوم؟
يحلو للبعض، بل للكثيرين، في سياق تلك المقاربة البعيدة عن أرض الحدث، واللصيقة بذوات الصدور والحسابات الشخصية والسياسية الخاصة، أن يطلق ما يراه من فرضيات وأحكام ونصائح، محاولاً الإيحاء تارة بالموضوعية والتجرد، وطوراً بالكشف عن أسرار وحقائق لا يعرفها إلا هو؟!
.. لذا لا أعرف كيف تصحّ دعوة من يفتش عن رغيف خبز في مصر اليوم، الى الاستعاضة عن ذلك بكوب من حبر الجرائد التي تصف ما يجري عنده بالثورة أو الانتفاضة.. أو أن يقدم لأولاده وجبه دسمة من بيانات تضامنية عامة وشعبوية وفيها مصطلحات كبيرة، فخمة وطنّانة؟
.. كما لا أعرف، كيف يمكن لمن يعيش في لبنان على وقع التهديد اليومي المسلّح الدائم والمستمر بمصادرة رأيه وفكره وحريته وطريقة عيشه وقراره، بل بتغيير وجه بلده في الإجمال، أن يستمع الى أو يستمتع بنصائح وآراء آتية من مقيم في عالم آخر، وفوق ذلك، صاحب غرض وكيد وبعيد عن الموضوعية والقراءة الصحيحة لواقع الحال.. بل الذي يناقض نفسه بنفسه، مُسجّلاً فتحاً استثنائياً في دنيا الرأي، بحيث يبدأ بخلاصات واستنتاجات وأحكام وينتهي بنقيضها.. فقط لأن هواه أقوى من عقله، وغريزته أقوى من منطقه؟
لعبة خطيرة. والمفاجئ فيها هو مقدار الخفّة في إطلاق الأحكام والخلاصات الناجزة، من دون التمعّن بالصورة في مجملها، أو بالأحرى من دون الكشف عن تلك الصورة كما هي، رغم العلم التام بتفاصيلها وحيثياتها والنقاط السود فيها!
في هذا الشأن يُقال، إن صاحب الغرض والهوى لا يحق له إسداء نصائح مسمومة تحت لافتة الحرص! فليطلقها تحت أي مسمى أو هوية يشاء، لكن ليترك الباقي حيث أهل الدار أدرى بحالها! وحامل الجمرة أدرى بنيرانها، والسلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.