من العراق إلى لبنان وفلسطين مروراً باليمن وبعض دول الخليج العربي وصولاً إلى ما يجري في مصر اليوم، لا يقدم المشروع الممانع بديلاً من الواقع القائم إلا الحروب الأهلية، باردة أو حارة، مخفية في الصدور أو معلنة على الهواء مباشرة.. والهدف الأسمى الإمساك بالسلطة والتمتع بفضائلها في سياق السعي إلى الأدوار العظمى والإمبراطوريات الأعظم!
جريء ذلك المشروع، وطموح باتجاه تحقيق ما يفترضه تعبئة فراغ.. أو انتهاز لحظة مناسبة للانقضاض، مستعيناً بجملة عوامل مساعدة، أولها الخلل الاجتماعي الطبقي في بعض الدول، وثانيها التمايز المذهبي أو الطائفي في دول أخرى، وثالثها إقامة النوعين على واقع مألوف لجهة قبض أهل السلطة عليها وعدم التراخي فيها.. والفساد ومشتقاته وفنونه، وضمور السياسة حتى في أشكالها المضحكة أو الموجّهة مثل الانتخابات النقابية والتشريعية، وفوق ذلك غياب أي أفق لاحتمال تسوية للقضية المركزية الأم للعالمَين العربي والإسلامي، أي القضية الفلسطينية، بل العكس من ذلك ذهابها باتجاه قهري مضاعف لم يكن ينقصه شيء من التغذية إلا حربَيْ العراق وأفغانستان!
لحظة فراغ أنتجتها تلك التوليفة: عجز ذاتي للأنظمة القائمة (والمستهدَفة) عن تقديم أجوبة تامة عن تلك التحديات العظيمات، وقصورها عن الخروج من حالة الكربجة والشيخوخة السياسية.. في مقابل حراك مطلبي طازج، شبابي، مواكب للعصر وآلياته وتقنياته، وأولها وأهمها وأخطرها الإعلام وما يتفرّع منه، ثم الإنترنت والهاتف النقال. في هذا المكان الجذّاب بين النقيضين يفترض المشروع الممانع بكل تلاوينه أنه قادر على الحضور والتعبئة.
في السعي إلى تلك الطموحات، لا يتورع ذلك المشروع عن توسل الطريقة الوحيدة الممكنة أمامه، أي الحروب الأهلية أو مشاريعها الحتمية. فهي التي تهيئ موطئاً لقدمه في أسوأ الاحتمالات، وموطئاً لقدميه في أحسنها، أي عند انتصارها، وذلك لا يعني إلا استلام السلطة أو الوقوف عند بابها... هذا ما كان فحوى الهجوم الشرس والمفتري على السلطة الفلسطينية من خلال وثائق ويكيليكس، وقبلها انقضاض حماس وإمساكها بإمارة غزة.. وفحوى الانقلاب في لبنان، واستغلال الهيجان المصري الراهن، والدور المعروف في العراق، وحرب الحوثيين في اليمن، عدا عن بعض التفاصيل الخاصة بما جرى في البحرين وجوارها.
يسعى ذلك المشروع نحو أهدافه مستعيناً بعدّة شغل أمنية وإعلامية ومالية واسعة وكبيرة وخطيرة ومؤثّرة، وبالاستعداد الدائم للذهاب إلى مدَيات يخشى الآخرون الذهاب إليها أو حتى الاقتراب منها.. وفي مقدمها القتال في الشارع وما يعنيه من فتنة أو احتراب أهلي.
00 ما حصل بالأمس في القاهرة، يشي بقدرة على مواجهة ذلك الاستبداد الانقلابي المغطّى بالمطالب الشعبية، أو بالخطاب الديني أو بشعار مكافحة الفساد، أو بتداول السلطة ونكتتها الخاصة بالانتخابات العامة، غير أنه في المحصلة الأخيرة، يتم الاقتراب مما يبحث عنه أهل ذلك المشروع تماما: انقسام أهلي في أسوأ الحالات، وحرب أهلية في أحسنها! وفي الاحتمالين خسارة أكيدة لكل الوطنيين والديموقراطيين العرب، قبل غيرهم!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.