8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المحروسة.. والنفاق!

كيف تركب هذه التوليفة من المواقف الهازجة بما يجري في مصر؟ وكيف لبعض أيتام الماركسية واليسار العالمي والممانعة المحلية تلك الجرأة في إنزال مواقف مبدئية على هيجان متحرّك يشبه كل شيء إلا الثورات بمفهومها التقليدي العلمي أو الانتفاضات بمفهومها الواضح؟ ثم الأنكى من ذلك، إعطاء تلك المبدئيات أبعاداً جغرافية مضحكة، بحيث أنها تمشي في هذه الناحية ولا تمشي في تلك، أو ممكنة حيال هذا النظام وليست ممكنة حيال ذلك النظام!
ما يجري فيه شيء من العدم الغامض، والكثير من العبث. بل لنقل إنّ فيه الكثير من المسلّمات المعروفة عن الظواهر الصوتية العربية، وبالتالي لا يفاجئ، أو بالأحرى، يُفترض أن لا يُفاجئ أحداً: إنتشاء عاطفي سريع العطب والغضب. مهجوس بالكثرة وما تعنيه من تغييب تام للمنطق والعقل والحسابات الباردة، ومهجوس أكثر بالحدث الطارئ وضرورة تلقفه بظواهره.. وكفى الله المؤمنين شرّ التفكير والتمحيص والتدقيق والتاريخ ووقائع الدنيا والزمان.
وإلا كيف لعقل حار أن يجيب عن السؤال البارد الخاص بوقوف دول الغرب مجتمعة، وفي مقدمها الولايات المتحدة إلى جانب المطالب المشروعة للمتظاهرين (المصطلح للأميركيين)، وهو موقف يماثل مواقف أهل الممانعة المعادين لذلك الغرب، بل البانين كل منصّة ممانعتهم على مواقف ترجم الغرب ومؤامراته على المنطقة وشعوبها؟ وكيف يُفهم انّه لليوم السابع على بدء ذلك الهيجان غير المفهوم، لا يُرفع شعار واحد أو لافتة واحدة، لا ضدّ إسرائيل ولا ضدّ الامبريالية إيّاها؟ وكيف قبل ذلك، تُركَّب نظرية إسقاط النظام باعتبار ان هذا هو الطريق إلى بدء مقاربة مشكلات مصر المستعصية والمستحيلة، اقتصادياً وتنموياً قبل أي شيء آخر، فيما لا يوجد مطّلع أو عالِم أو مجرّد زائر عابر إلا وينتبه إلى أن تلك المشكلات تحتاج إلى مئة نظام لمحاولة معالجتها (فقط المحاولة إنسَ النتيجة المستحيلة)، وأنّ الفوضى إذا ضربت فيها لن تعني إلا كوارث إنسانية وسياسية استراتيجية مدمّرة وكاسحة ماسحة لا يتصوّرها عقل سوي؟ وأنّ تركيبتها البشرية والعمرانية المدكوكة فوق لسان حضري لا تتعدّى مساحته العشرين في المئة من مساحة الكيان المصري وتنعدم فيه أي مواد أوّلية قابلة حقاً للاستثمار المُراكم للثروات.. إنّ كل تلك التركيبة صارت عصيّة على أي مقاربة تصحيحية لأنّها بكل بساطة غير ممكنة!
.. تحتاج مصر المحروسة، إلى عمليات تجميلية لوجه نظامها، ولا بأس في الطريق إلى ذلك من التسلّي بنكات الديموقراطية والحرّية والتمثيل الصحيح والقضاء على الفساد والشيخوخة السياسية.. لكن البأس كل البأس هو أن يركّب بعضهم أجندة سياسية آتية من تراث الظواهر الصوتية الفارغة من كل مضمون، والمنطلق من كيد وحسابات محورية ليطلق شعارات لا تعني شيئاً إلا العبث العدم.
مسار الهيجان الراهن يشي بتواضع مطالب المشاركين المصريين فيه (تغيير رأس النظام وليس بنيته وسياساته).. يبقى أن يتواضع بعض المنافقين خارج مصر في توقعاتهم وآمالهم وخطابهم التزويري المألوف.
مصر المحروسة بإذن الله.. حماكِ الله!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00