موهوم كبير من يفترض أو يظن أن الأزمة الراهنة، يمكن أن تُضبط على قياس خطواته أو مشروعه المسبوك بدقّة وفق قراءاته وحساباته وقدراته وسلاحه وآلته الحربية في الإجمال.
إذ إننا أمام حالة سياسية بالتأكيد، لكنها غير صادرة عن عقل سياسي حسابي ناضج، أو يأخذ في الحسبان ما يأخذه الآخرون عادة عند توسل قرار كبير ومركزي ومفصلي.. شبيه بقرار الانقلاب التدريجي الذي بدأ فعلياً.
نحن، من دون تكبير كلام، أمام قرار آت من خلفية تمردية (تُسمى عند أصحابها بأسماء أخرى) لا تأخذ في الاعتبار المعطيات والأصول الدستورية والقانونية والشرعية المألوفة، بل لا تأخذ في حسبانها إلا الاعتبار القسري والفرضي على أساس أنه الخيار الوحيد المتوفّر بعد سقوط كل الآليات السلمية والمدنية الأخرى!
لكنه مضحك ذلك الكلام التهويلي الذي بدأ يصدر عن تلك الظواهر الصوتية المعروفة، والذي يعتبر ويرى (ويقرر) أن توليفة الحسم اكتملت، وأن هذا الرديف الملطّف لمفردة الانقلاب، سيتولى إزالة مكوّنات حقبة الازدواجية في السلطة اللبنانية، وسيبني بسعادة غامرة وحبور موفور، سيبة سلطوية أحادية تعيد لبنان الى مركزه الطبيعي: رأس حرب الممانعة والمناتعة والمقاومة، وأن الجيش الإسبارطي إيّاه سيتولى تنفيذ ذلك الحسم الانقلاب ولن يجد في طريقه من هو قادر على مواجهته أو صدّه!
قيل في وقت سابق، إن تلك الوتيرة التوتيرية التهويلية التصعيدية العاملة من دون كلل على إشاعة مناخات تمهيدية لقرارات كبيرة كالتي وصلنا إليها الآن، لا تفعل إلا عكس مرادها ومبتغاها، ولا تؤدي إلا الى تفتيح العيون أكثر، وزيادة الغلّ في الصدور، والشحن في النفوس، والمرارة في القلوب إزاء كل ذلك الأداء الممانع الذي لا تحلو له الممانعة إلا على أهل بيته وبلده بعد أن سُدّت في وجهه الأهداف الخارجية الأكبر.
وقيل في سياق المجادلة مع أهل الانقلاب، إن فرادة الوضع اللبناني هي في سلبيته وإيجابيته في الوقت نفسه، بحيث إن آليات الحكم فيه مختلفة جذرياً عن مثيلاتها في دول أخرى، وهذه تؤدي سلبياً الى فوضى تُسمى حرية، وإلى عُرف يغلب الدستور، وتؤدي إيجابياً الى تحصين البلد والنظام تلقائياً في وجه أي ضابط مغرور يريد الوصول الى القصر على ظهر دبابة متنّكة! أو أي حزب طموح مدجّج بمشروع خاص يريد تعميمه على الآخرين.
.. حتى في سلبية الفرادة، يبقى الوضع اللبناني عصياً على التطويع، إذ إن العرف الغالب للدستور إنما هو آت من جذر طائفي (والآن مذهبي خالص) يفرض حيثياته على الكبير والصغير، ويؤدي كلما اختلّ ميزانه ولو لمليمتر واحد، الى كوارث لها أول وليس لها آخر.
الى أين يؤدي الانقلاب (الموهوم) الراهن؟ طالما أنه يبدأ بداية متعدّدة الوجوه والأهداف: على الداخل ومسلّماته الطائفية والمذهبية، وعلى الخارج الإقليمي (اتفاق الدوحة) وعلى الخارج الدولي، الأمم المتحدة ومحكمتها الخاصة بلبنان؟
من يريد اللطف بالأحكام يتحدث عن قصور في الأداء السياسي، يمكن ببعض الجهد، إيجاد مخرج ملائم له يصحّح خطاياه، أما من يريد الغلظة والفجاجة في تلك الأحكام فيقول إن الضحية تسمّن نفسها بنفسها، فيما الصيّاد الماهر ينتظر اكتمال كبوتها الأولى لينقضّ عليها.. والله يستر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.