مفاجئ ما جرى في الاسكندرية المصرية.
كانت العيون شاخصة نحو بغداد تتبعاً للاعتداءات التي طاولت المسيحيين فيها عشية الميلاد المجيد لمعرفة ما الذي سيستجد في منتصف ليل السنة الجديدة، فجاءت الضربة في مكان آخر، بل في آخر مكان يتوقع أن تحصل فيه.
صحيح ان القاعدة وأخواتها ومشتقاتها كانت هددت الكنيسة القبطية على خلفية الجدل الخاص بتغيير الانتماء الديني لبعض الحالات الفردية، لكن تنفيذ ذلك التهديد ما كان متوقعاً وبهذه الشراسة والدموية والعدمية.
يُفهم أن يسمح الانهيار العراقي بصعود استثنائي لذلك الارهاب الصافي غير المسبوق في أي مكان أو زمان، لكن ما لا يُفهم هو أن يتجرأ ذلك الارهاب على دولة متينة راسخة، ممسوكة وقوية، وأن يضرب في مجتمعها الذي يبقى رغم كل ما حصل سابقاً بعيداً عن العنف الذي يميّز بعض المجتمعات الشرقية.
مصر كانت ولا تزال، غريبة عن ثقافة القتل ونفي الآخر. وليست مسألة عابرة أو بسيطة، أن تشهد منذ ثورة 1952 تغييرات جذرية في سلطتها وتوجهاتها من دون سيلان دماء يُذكر، ومن دون عنف يُعتدّ به. بل حتى من دون كل التحركات التي تصاحب في العادة تغييرات أقل خطورة وجذرية من تلك التي شهدتها على مدى العقود الستة الماضية.
..حتى لو أُعيد من قبل البعض، نسب أساس الارهاب الاصولي الراهن، الى جذر اعتماد العنف والسلاح من قبل جماعة الاخوان المسلمين في فترة الخمسينات ضد عبد الناصر ونظامه، ومن ثم من قبل جماعات إسلامية متطرفة في السبعينات والثمانينات، فإن ذلك المسار الدموي كان سريع العطب في أرضه، ولم تسمح له البيئة المصرية بالنمو أو الانتعاش أو السيطرة. دائماً كانت الدولة أقوى. ودائماً كانت تلك البيئة عصية على الاختراق من قبل التطرف وآليات عمله وأدواته... بل معروفة النظرية القائلة إن دخول السادات في مطالع حكمه في لعبة دعم الإسلاميين لمواجهة قوى اليسار وامتداداته داخل مصر نظاماً وشعباً، أدى في النهاية الى ان يدفع هو شخصياً ثمناً باهظاً لذلك!... لا تنعش تربة النيل أي بذرة تطرف، أياً كان طعمها أو لونها.
لذلك تبدو جريمة الاسكندرية غريبة بالمعنى المصري المحض، ومألوفة بالمعنى الذي عوّدتنا عليه القاعدة ومشتقاتها وهي التي أوصلت العنف الى مستويات مستحيلة، ووظّفته في كل اتجاه.. إلا الاتجاه الإسرائيلي!
بل الحاصل، هو ان كل ذلك الارهاب لم يضرب ولا يضرب إلا في المواقع التي تستفيد إسرائيل من ضربها... حتى لو شاركت أنظمة وجماعات أخرى في هذه اللعبة الغريبة والمتشعبة، مستفيدة منها مرحلياً، غافلة عن خسائرها استراتيجياً!
جريمة الاسكندرية تكمل ربما الجرائم في العراق ضد المسيحيين العرب والمشرقيين، لكنها تبدو أخطر من كل ما سبق. وتدعو في المحصلة الى أداء جذري يحمي ما تبقى من أسباب البقاء والاستمرار في عالم مضطرب ومتناقض: يصبو الى العولمة من جهة ويخطو سريعاً نحو تأكيد الهويات الخاصة من جهة ثانية.
ثم بعد ذلك، فإن صحة الجسم العربي لا تستقيم إذا خسر جزءاً رئيسياً من عقله، كما لا تستقيم إذا خسر فرادته التي لعب المسيحيون العرب ولا يزالون دوراً حاسماً فيها، خصوصاً وان من يتكفل بتعبئة الفراغ هو واحد من اثنين: التطرف الأصولي أو إسرائيل!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.