ولاّدة مدرارة أزمة لبنان المفتوحة يا إخوان. تعطينا في كل حين سوابق ومعجزات صغيرة لا يمكن أن تُلحظ في أي مكان آخر وبهذه الكثافة، كمّاً ونوعاً.
ليس تحطيم العقل وملكاته من بين تلك السوابق. فهذا أمر شائع في أي مكان يخرج فيه من يحمل الغريزة ويضعها في مقدم بيانه وجدول أعماله بحيث ان النتيجة الوحيدة الممكنة لذلك هي الحرب أو مقدماتها، أي انعدام القانون، وانكسار هيبة أدواته وسلطاته، واندحار الأطر الناظمة والكابتة لمشاعر العامة، ثم الإيعاز الى المنطق بأخذ إجازة مفتوحة.. وبعد هذا وذاك وذلك بقليل أو كثير الذهاب الى الإقامة في ممر الأفيال أو بين المقابر!
ليس ذلك نسقاً لبنانياً خاصاً. ولا استثناء يختصّ به تراثنا وحده. غير أننا بمعنى آخر، وفي موازاة ذلك النفي، نبقى روّاداً في النحر الذاتي. أو وفق المصطلح الأكثر شيوعاً واستخداماً وليونة: الانتحار.
.. ومن جديد يُقال، يُفهم أن تكون المصالح الاقتصادية أو التنموية أو الخلافات الكيانية على أنواعها مثل الحدود والأرض والمياه، أو المشاريع السياسية والفكرية الطموحة، أسباباً محترمة الى حد ما، لإعلاء شأن النزاع وتوطية شأن التسوية والتغزّل في سبيل ذلك بالقتل والعدم وإلباسهما أثواباً لغوية فخمة وهيّاجة! ويُفهم أكثر من ذلك، أن تعتبر جهة ما، دينية أو قومية أو حزبية عابرة، أن وجودها في الأساس مُعرّض لمخاطر جسيمة (أو نحيفة) وبالتالي تذهب الى دقّ النفير والصدور وإخراج مكنوناتها الى العلن بصخب وضجيج يليقان بصيحات الوغى وساحاته.. لكن ما لا يُفهم في حالتنا الراهنة هو الذهاب الى كل ما سلف تحت وطأة حسابات سياسية مُجلّلة بالخطأ والخطيئة من أولها الى آخرها!؟
وإلا ما معنى هذه المبالغات التي تنزل على اللبنانيين مثل مطر كانون المدرار؟ وهذا الضخّ التوتيري الصارخ في التباساته وافتراضاته وهلوساته؟ وهذه اللغة الكسرية المستخدمة بخفّة ورعونة في مواضيع كبرى وجديّة ولا تحتمل البلف ولا لعب الصبية؟
أين هي تلك المخاطر الوجودية المفترضة في ما يحصل بالنسبة الى المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي! وأين هي تلك التهديدات المحكمات المدجّجات بأسلحة دمار شامل الآتيات من ذلك الصوب؟ وأين هي مقوّمات التعبئة عند سائر خلق الله من اللبنانيين الذين يضعهم حزب الله في مرمى تهديداته؟ وأين هي تلك الجيوش المحلية الجرّارة المنتظرة إشارة من المحكمة كي تنقضّ على كيان المقاومة لزعزعته؟ بل أين هي تلك المخاطر الاستراتيجية التاريخية التي يحملها الأغيار على ذلك الكيان؟!
إحدى عجائب الأزمة اللبنانية تُولد في هذه الأيام الكالحات: جهة لا يكفيها عدو مثل إسرائيل(!) تصرّ يومياً ومن دون أي مسوّغات يُعتدّ بها على تفريخ أعداء في كل اتجاه بدلاً من أن تفعل العكس!
خطاب متطرّف وليد نهج متطرّف، معطوف على قلق متضخّم واعتداد مرضي بالذات وأداء سياسي مراهق، ومدجّج بكل ذلك وفوقه بكل سلاح، مؤداه الأخير: وصفة ناجزة للانتحار. والجديد الخلاّق في هذا هو دمغ تلك النتيجة بالنسب الإلهي.. مُعجزة حقيقية!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.