8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مؤامرة..

جميلة وشهيرة ومعروفة وشائعة جداً نظرية المؤامرة في بلادنا يا إخوان. الى حد أنها تبدو الهواية المفضّلة عند العموم من جهة، وعند المختصّين بالشأن السياسي في السلطة وخارجها من جهة ثانية.
الكل يرطن بها، بعضهم للتغطية على عجز وضعف وقلّة معرفة، وبعضهم عن خبث موصوف ومدروس.. خصوصاً ذلك البعض الكامش بسلطة مطلقة ولا يتورع عن مسح أي اعتراض عليها بالأرض، باعتبار أن ذلك الاعتراض هو وليد شرعي لتلك المؤامرة البيّنة والواضحة!
لكننا في مقام ويكيليكس وما تنشره. وفي هذا استثناء نادر إن كان لجهة حجم الوثائق السرية المفضوحة، أو لجهة قيمتها وفحواها. حيث يتذكر كثيرون من الذين عاشوا ردحاً من أزمانهم في الغرب ودوله، أن أزمات كبرى كانت تنفجر وتطال بشظاياها كل من هو جالس ورابض فوق دكّة السلطة نتيجة تسريبة واحدة.
.. معلومة صغيرة، فيها شبهة الوضوح أو الخطأ كانت كافية وافية لزعزعة مقامات وخربطة أجندات ونتف شعيرات وإسقاط حكومات وإذلال رجالات ودكّ سلطات، وما الى ذلك وحوله من ضجيج إعلامي وسياسي له أول وله آخر على حد سواء.. والإثنان كارثيان في معظم الحالات.
ويعرف كثيرون أيضاً، أن دول الغرب في الإجمال تفرض حظراً على نشر وثائقها يمتد على مدى عشرات السنين. وبعض تلك الوثائق لا يُنشر أبداً قبل اندثار أكثر من جيل سياسي وديبلوماسي عن وجه الأرض بسبب حساسيته الكبيرة بالنسبة الى الأمن القومي واستراتيجية الدولة.. فكيف الحال راهناً مع كشف ذلك العدد الهائل من المراسلات والوثائق وقبل أن يمرّ عليها الزمن، وأي زمن؟!
وُصف الأمر بأكثر المصطلحات مهابة، وبعضهم شبّهه بأحداث 11 أيلول. وآخرون رأوا فيه زلزالاً غير مسبوق يضرب في رأس النظام الديبلوماسي وفي صدره وفي بطنه. ويُوجِد أزمة ثقة ويدعّمها بإسمنت لا يتكسّر. ولا أخال مسؤولاً في أي بلد فوق هذه البسيطة يمكنه بعد اليوم أن يأخذ راحته في الحكي والكلام مع أي ديبلوماسي أميركي. وإذا فعل ذلك فهو سيكون من المغامرين غير الآبهين بنتائج كشف ما يقول، أو من أهل الاستقامة. يقول سراً بعض ما يقوله علناً، رغم أن العلاقات بين الدول لا تركب مع إعلام البث المباشر، وفيها من المخبّأ والمستور أضعاف أضعاف المعلن والمكشوف.
ما الذي حصل إذن، وكيف تركب هذه الرواية، خصوصاً وأن فصولها لم تأت الى المطبعة دفعة واحدة إنما بالتقسيط المريح! بدأت مع أفغانستان قبل شهور عدة، ثم توالت مع نصف أمم المعمورة وطالت وتطال معظم النقاط الحساسة والمتفجّرة في عالم اليوم.
في هذا الشق الأخير يكمن جواب أولي أو محاولة ذلك (مع الاعتذار سلفاً عن هذا الإدعاء) باعتبار أن معظم الوثائق التي تُكشف لا تحمل مخاطر أو يمكن أن تحمل مخاطر إلا ما يتعلق منها بأوضاعنا كعرب ومسلمين. الباقي يتعلق بانطباعات شخصية عن قادة ومسؤولين.. أما الأصل والأساس فهو إظهار ما يمكن (أو يُفترض أو يُظنّ) أنه يُحرج الإدارة الأميركية ويعمّق من حدّة الانقسام الإسلامي.. ويريح إسرائيل!
ما يجري ليس سبقاً خاصاً، ولا إنجازاً فردياً لإعلامي محظوظ. إنه أكبر من ذلك بكثير كمّاً ونوعاً. إنه شيء مثل المؤامرة، وشيء مثل الشغل الإسرائيلي المعروف.. والله أعلم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00