عجيبة قصتنا يا إخوان يا خلاّن. وتزداد عجباً فوق عجب وتخبر صاحبنا رجب بأن أحواله ليست طيبة!
في الصيف الذي مضى وراح (في الرزنامة فقط) ضربت أحوالنا المناخية أرقاماً كثيرة في استثنائيتها، وخلنا لبعض الوقت والأيام والليالي الكالحات، أن جغرافيتنا فقدت حواسها المميزة وخصائصها الفريدة من نوعها في المحيط والمدار، وأن ارتفاع الحرارة المصاحب عادة لندرة الخضرة وانعدام الأنهر والمجاري والينابيع والذرى والتلال والجبال، كان أمراً غير مألوف وسريع الزوال. وأن أسبابه معولمة (لعلمك يعني) وهي متأتية من تغييرات إتفق على وصفها بالمناخية نتيجة عوامل عدة جُلّها من فعل البشر والتطور الذي أصابهم وأثمان ذلك التطوّر في الصناعة والتكنولوجيا والعمارة والتوسّع والرفاه في الإجمال.
وخلنا أيضاً، أننا محكومون حُكماً مُبرماً بتلقي تأثيرات ذلك الخارج علينا. وأن مناخنا بهذا المعنى مزدوج المضمون، في السياسة والجغرافيا على حد سواء. وأن لا شيء يبدو غريباً أو مستهجناً هنا. نتأثر في يومياتنا السياسية بذلك الهواء الخارجي منذ أيام الطفولة، ونتأثر في يومياتنا المناخية والطقسية والحرارية بذلك الهواء نفسه.. بسيطة وواضحة وإن كانت غريبة أعزائي المشاهدين المشوّبين والعطشانين.
غير أن المطال طال، وبدأت أجراس الوجل والزعل تُقرع بصخب من دون توقف. بحيث أننا صرنا في أواخر تشرين الثاني ونكاد أن ندخل في تشرين الثالث وتشرين الرابع والسابع والتاسع ولم نرَ بعد من حكايات الغيم والمطر والثلج والبرد شيئاً يذكر أو ينذكر.. بل لم نرَ مثل ما نراه في هذه الأيام منذ سنين ودهور وأزمان مطوية في التاريخ والنسيان سواء بسواء.
هكذا أخبرني طير مرّ ورفرف فوق ضيعتي بالأمس. حيث البلاغ أن مروره يعني الهروب الى الشمس والدفء من براري الصقيع وسهول الجليد والرياح الخارقة للعظام والمكسّرة للأنوف، علماً أن ضيعتي تكون مسوّرة بالغيم والنفناف في مثل هذه الأيام، وسبق لذلك الطير أن اعتاد المرور فوقها في آخر أيلول من كل صيف، عابراً لا رابضاً ولا مقيماً قبل أن يغيّر عاداته ويأتي ليكمل صيفيّته عندنا!
والعجب الذي أصاب رجب بالضيم، هو أن الصيف الذي حُكي أنه يأتي بين تشرين وتشرين، لم يذهب أصلاً الى أي مكان آخر. لا يزال مقيماً منذ شهر آذار الماضي. حيث أقفلت السماء أبواب حنفياتها وعطّلت ميزان الحرارة. ولا يزال مفعول ذلك المرسوم سارياً بكل جلال وإكرام وإفتخار وإكبار! لا مياه ولا أمطار ولا عواصف ولا أي حرف واحد من قصيدة السيّاب المطرية الأشهر في اللسانيات العربية الحديثة.
صيف مستدام مرتاح ومرحرح. ولا يهزّه شيء. صيف ممانع من جماعة 8 آذار. رابض لا تهمه الدنيا بوقائعها وحقائقها. لا عطش ولا جفاف ولا نشفان ينابيع وأنهار، ولا يباس يضرب ويعربد، ولا كوارث بيئية، ولا حرائق ولا لظى ولا تخريب... ولا شيء على الإطلاق.
وبعد ذلك، يُقال على ذمّة طيور أخرى، أن أزمة المياه الخانقة ستزداد اختناقاً وستبقى مقيمة عندنا في العام الآتي إذا لم يقرر الصيف الممانع أحد إجازته السنوية المؤجلة!
.. ثم يقولون أن الدنيا وجوه وأعتاب. ومنذ أن هلّ وجه صاحب المقامات الإصلاحية على وزارة الموارد، نشّفت على الآخر، وان النشفان لن ينتهي إلا بعد تغيير ذلك الوجه.. إن شاء الله تشتّي!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.