8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المشروع وأثقاله..

الإخراج الهادئ (نسبياً) لقضية كربجة الحكومة ومنعها من إكمال وظائفها الخاصة باللبنانيين في الإجمال وبالدولة ودوائرها ومساراتها وسياساتها وكل ما يتصل بها، لا يلغي الإضاءة على الجذر الأول الذي تأتي منه مواقف الممانعين في 8 آذار وعلى رأسهم حزب الله.
في ذلك الجذر تكمن خلفيات أداء إطاري عام لا يقيم وزناً إلا لخدمة مشروع خاص بغضّ النظر عن أكلافه وأتعابه. بحيث أن الهدف المتعلق بذلك المشروع يبرر كل وسيلة بما فيها تحمّل الأذى الناتج عن شلّ كل قطاع خدماتي عام، عدا عن شل كل مؤسسة شرعية إذا كان القيّمون عليها في موقع سياسي منافس أو مضاد أو ملتبس.
شاهدنا هذا الضرب سابقاً في غزة. حيث المستحيل استحال واقعاً لا يتزعزع: تخريب القضية المركزية للشعب الفلسطيني من خلال ضرب مؤسساته الشرعية الأم. وبل والشروع في أول حرب أهلية فلسطينية في التاريخ، من أجل الإمساك بالسلطة والإطباق على مؤسساتها.. والباقي بعد هذا تفاصيل تُعالج في أرضها. حتى لو كانت تلك التفاصيل تتعلق مثلاً بقصة الحياة والموت الخاصة بالنزاع مع إسرائيل. فلهذه طقوسها الخاصة. ومن تلك الطقوس الإمساك بالأمن الحدودي واعتقال كل من يحاول رمي صاروخ أو التسلل لتنفيذ عملية عسكرية! ثم تقديم أو تسريب معطيات تتحدث عن القبول بالشروط الخاصة بالتسوية التي كانت السلطة الوطنية قبلتها قبل عشرين سنة! والطموح لبناء علاقة مع الأميركي توازي تلك التي بنتها تلك السلطة المرجومة والملعونة والمتهمة بكل عار وخيانة!
جذر واحد لكنه يتوسل العصر وآلياته.. قبل حين في منطقتنا كانت الوسيلة الوحيدة للقبض على السلطة هي الانقلاب العسكري فقط. ولم تُعتمد (بالمناسبة) أي وسيلة اعتراضية واحدة. أي لم تستخدم آليات العصيان المدني أو التظاهر أو التحركات الشعبية العريضة للوصول الى قلب النظام (كما حصل في إيران مثلاً) إنما كانت الدبابة بديلاً لائقاً ومقنعاً بما فيه الكفاية لاختصار كل تلك الجلجلة والوصول الى القصر مباشرة.
تغيّرت أحوال الزمان فتغيّرت أحوالنا. واستعيض عن الانقلاب العسكري المستحيل، والتظاهر غير المنتج في الشارع ببناء قوة عسكرية منظمة ومدرّبة، ومسلّحة بشعار مقاومة إسرائيل... فوصل أهل حماس في غزة عبر مسار مزدوج أوله انتخابات تشريعية ملتبسة أنتجت تقاسماً للسلطة مع فتح، ثم انقضاضاً مسلحاً في الشارع على تلك الحركة ومؤسساتها. والنتيجة انقلاب تام من دون شوائب: لا انتخابات بعد اليوم، ولا ازدواجية سلطة، ولا وجود لأي بنيان عسكري تنظيمي إلا لصاحب الأمر والسلاح!
في لبناننا الأمور أصعب. طبيعة البلد وتنوّع أهله تجعلان الاستحالة مقيمة. استحالة الانقلاب العسكري من جهة، واستحالة أخذ السلطة بالطرق الديموقراطية المألوفة والمتّبعة في نظامنا من جهة ثانية. لكن ذلك لا يلغي ابتداع طرق وأساليب أخرى ومحاولة تطبيقها. وما الذي نشهده في هذه الأيام إلا نتاج تلك الرؤى: المشاركة في السلطة من داخلها، وفي حالة العجز عن الإمساك بها أو تسييرها، تعطيلها وكسرها إذا أمكن!
والتعطيل أعزائي يعيدنا الى ذلك الجذر العبثي: لا تهم أحوال الناس ومصالحهم ومتاعبهم وأوجاعهم ومطالبهم وضناهم، ولا مدى قدراتهم على تحمل أوزار نزاعات محلية وإقليمية ودولية تنوء تحت أثقالها دول عظمى وشعوب أكبر.. لا يهم كل ذلك. المهم أن المشروع الخلاصي العتيد لا يزال بخير وسائر نحو أهدافه..
أما الموقف من الشهود الزور والمحكمة من أساسها فهو فرع من ذلك الجذر ليس إلا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00