تعجبني الحشمة ويغيظني السفور. ويعجبني الخجل وتغيظني الوقاحة. ولطالما (أعزائي المشاهدين) ارتبطت في ذهني سلوكيات المشتغل بالشأن العام بدواخله، وظلّت الازدواجية مذمّة ونقصاناً ورذيلة لا تغتفر.
أو بالأحرى ظلّ السؤال عن الشكل والمضمون ضاجاً وصاخباً وإن على خفر: هل الحاكي والنافخ والصارخ بالإصلاح والفضائل الحميدة هو ذاته الملتّم على نفسه في العتم. هل يضمر ما يعلنه، وهل يفعل ما يحكيه، وهل يحترم نفسه قبل أن يطالبنا باحترامها من خلال دروسه الأخلاقية المدرارة، وهل الأنا عنده مندورة للعامة أم العكس هو المرتجى، وهل صوته الفالت في بريّة أسماع الناس هو ذاته الضارب في أوتار نفسه، أم أن الأمر عبارة عن شطارة تمثيلية وقلّة احتشام أخلاقي، وسفور لوقاحة لا تقيم اعتباراً لأحد، ولا تفترض ذكاءً في المتلقي يمكّنه من كشف المستور والمخبأ في الصدور؟
لطالما أخبرتنا سوالف وخبريات الكتب وحكايات الماضي عن ظواهر فاقعة مرّت على الناس وكان أصحابها في العلن أهل سطوة وبطش وبأس، وأساتذة مجلّون في مدارس المروءة والأخلاق والشرف والبطولة ونكران الذات، فيما هم في السر نتاج ظواهر مأزومة بمذمّات ونواقص مخزية: جبانة تخاف من طيفها، شكّاكة لا تثق بأحد، أنانية حتى نخاعها وعظامها، مبتذلة في ليل إزاء قدرتها على استخدام الآخرين وفق أهوائها، ومنتشية بقدرتها على البلف وأخذ سامعيها صعوداً على درج ونزولاً على آخر، بل ومبتذلة في احتقار من تدّعي الصراخ لأجلهم لأنهم يشترون أي بضاعة تبشيرية تبيعهم إيّاها ولا يسألون.
في كل واحدة من تلك السوالف والخبريات المريرات سرد لصيرورتها، وفي ذلك لا تأتي إلا المصائب والنوازل والكوارث.. دائماً دائماً تأتي تلك الظواهر من بطون الحروب والبلايا، وتنشأ على المزيد منها وتتسبّب بالكثير منها. جلّها أذلّ دولاً كريمة وأفقر شعوباً غنية وحطّم قيماً وعمراناً وأحالهما يباباً ورماداً، ودائماً كانت الدرب مرصوفة بالدم وعظام الناس، ومشقوعة حجارتها بالبؤس والمآسي والأهوال.
جلّها تمخطر بالنياشين، وتلبس أدوار الفاتحين، وزنّر السيف والنار وجزّ الأعناق المخيلة والأحلام البائسة... وبعدها مشاريع بناء دول ونفوس وثقافات مثلما تبنى القلاع والثُّكَن والدشم!
جلّها امتشق ادعاءات خلاصية وإصلاحية كبرى، فانتهى بتعميم المقابر والمحافر وتحطيم الحياة وأسرار الوجود.
أسماء كثيرة ترنّ في الذاكرة من روسيا الى ألمانيا الى العراق الى لبنان لكنها تبقى فيها خفراً واحتشاماً.. وحياء ليس إلا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.