النظام السياسي اللبناني المأخوذ به على علاّته، هو مرآة لواقع اللبنانيين ليس إلا. تركيبة استثنائية وخاصة جداً، وفي الوقت نفسه يشبه في عناوينه أي نظام ديموقراطي آخر في العالم، لجهة تقسيم السلطات واعتماد الخيار الانتخابي طريقاً للوصول الى مركز السلطة ومتفرعاتها، وتحديد السياق العام لحرية المعتقد والكلام... وحدود ذينك الأمرين.
ولأن الواقع اللبناني متعدد ومتنوع ومتشعّب، ويختلط فيه الانتماء الديني بالحياة السياسية اختلاطاً لا مفر منه ولا مهرب حتى لو تمظهر الغول وبان، وطارت العنقاء وعلت، وصار الخل صنواً للوفاء، جاء الدستور الجليل على ما هو عليه، وقامت الى جانبه أعراف واضحة لا تقل قوة في بعض نواحيها، عن نصوص مواد ذلك الدستور، بل في مرات كثيرة كانت تلك الأعراف تغلب النص الدستوري وتعلّقه على شمّاعة التوافق السياسي الطوائفي المذهبي المناطقي العائلي.. إلخ.
تدريب يومي على التسوية هما الدستور والأعراف. وكلما حاول طرف ما تعميم طموحاته الخاصة، ومشاريعه الذاتية، وقراءاته الأحادية (الغلط)، اهتزت تلك التسوية وتشظت الجمهورية على وقع نكباتها. ولذلك بقيت حدود الوطن اللبناني حدوداً جغرافية وسياسية في الوقت نفسه، وبقيت تجارب الآخرين في دول أخرى في مكانها، أي بعيدة عن الترجمة الأخيرة لها عندنا.
بهذا المعنى لم تنجح في بلدنا تجارب الحزب الحاكم، ولا الانقلاب العسكري، ولا الجبهات الوطنية، ولا توسل العنف سبيلاً للحكم.. ولا أي أحادية مهما كان شكلها ولونها وأسلوب عملها.. والمفارقة هي أن التيارات الحزبية العابرة للحدود نجحت في إقامة كيانات تنظيمية يُعتدّ بها في لبنان، لكنها تحطمت في اللحظة ذاتها التي ارتفع منسوب طموحها الى أبعد من النص الدستوري والأعراف القائمة.. ولا حاجة هنا للكثير من التفلسف والتقليب في كتب التاريخ، إذ أننا لا زلنا في واقع لم يمر عليه الزمن، والأوهام المستحيلات لا زالت طرية في أذهان روادها الفاعلين والمتلقين على حد سواء.
ذلك من حيث المبدأ والأحكام النظرية. أما من حيث الواقع السياسي الراهن، فالأمر بدوره يشبه الأوهام المستحيلات إياها... يمكن أي فريق أن يهزّ الانتظام العام بالمعنى الميداني، ويمكن له أن يُسجّل ما يشاء من وقائع تفجيرية كيدية وتخريبية، غير أن ذلك سيكون وفق المقولة المعروفة عن لحس المبرد... حيث المبرد يبقى كما هو بغض النظر عن مدى الغريزة الآخذة بأصحابها الى لحس دمها الى الآخر!
.. ثم بعد ذلك، من قال أن لبنان مثل غزّة؟!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.