8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مكارم التعمية..

لم يأخذ الأمر هذه المرة وقتاً طويلاً كي ينكشف ويُنشر على ما تبقى من صنوبرات في ما تبقى من حرج بيروت.. وأفترض مع بعض الثقاة والضالعين في شؤون مكافحة التزوير والتشبيح والتفنيص، ان المحاولات الحثيثة لتعميم ثقافة التعمية، يفترض أن تُصاب اصابة بليغة من أول الطريق وليس من آخره.
والتعمية على ما أفترض غير التزوير.
هي أكثر إحتشاماً، وأقل وقاحة، وربما أقل جرأة، وطافحة (لو سمحتم) بمكونات البعد عن الشجاعة، أي هي سليلة معطى الخوف ليس إلا.
وبين الحالتين، أي التعمية والتزوير فوارق كبيرة. التعمية تشبه المنشور في قصة موت معلن لغابريال غارسيا ماركيز، حيث الجميع يعرف كل شيء لكنه لا يقول شيئاً. تواطؤ على الستر، ورمي خبريات كثيرة على الهامش لحجب الوقائع الكامنة في المتن، وبالتالي إبقاء الأسئلة مقيمة في مكانها لا تبارحه نحو بنيان الأجوبة، وإبقاء الضوء مطفأ كي يبقى العتم الجذر الشرعي الوحيد للتعمية.
أما التزوير (أعزائي المشاهدين الصائمين والفاطرين) فهو أمر آخر، مختلف ويعتز بمكونات إختلافه، بمقدار إعتزاز فضيلة الشجاعة أمام رذيلة الجبن، وإعتزاز فضيلة الحشمة أمام رذيلة السفور... بل هو يشبه في جرأته الإباحية، جرأة الانتقال عند العسكري من حالة الحرب الى حالة السلم (وليس العكس)، أي كم أفواه بنادق تجد العدو أمامها عارياً ومكشوفاً فلا تنطق ولا تنطلق.
والتزوير شجاع بقدر شجاعة اللصوص الذين يقتحمون الليل والأسوار للسطو على ما ليس لهم، وبقدر الشجاعة الأدبية الرنّانة الكامنة في القول: ان الحرية تنفي لقمة العيش، أو انهما معطيين متناقضين لا يمكن بالمطلق أن يلتقيا إلا في مقام غير سوي. أنت حر يعني أنت شحّاذ.
تريد أن تأكل عليك تأجير حريتك لمن يطعمك، ودفن أحلامك في معدتك، ثم عليك بعد ذلك أن تركب على أجنحة طير الخيال وتطير معه الى سابع سماء ممكنة، ولا مشكلة في ذلك طالما ان الرأس الذي يحمل ذلك الخيال، مربوط بإحكام الى مصارينك وحدها!
وليس وضع التزوير في خانة الفضائل تكريماً لذلك المعطى، وانما مسايرة لأحوال زماننا المنحوس.
حيث الافتراق الغريب والعجيب بين الصفة والموصوف: الساعي الى الحرية هو السجّان، والمحرر هو الغازي، والناطق المفترض بالحق هو المطالب بتعميم الباطل، والمستند الى التاريخ لرفع المظالم هو الظالم...!!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00