ليست هيّنة أيامنا هذه بكل المقاييس، فيها تكثيف استثنائي لحوادث وحالات وتطورات تأخذ في العادة ردحاً من الأزمان كي تتحقق، لكنها في حالتنا ومنذ خمس سنوات تقريباً، تتناسل وتتوالد وتفرّخ العجب في فترة زمنية قصيرة وسريعة.
ولطالما شهدنا أو قرأنا أو سمعنا في سياق النزاع المفتوح مع إسرائيل، عن أحداث جسام تترك آثاراً مرحلية وأخرى بعيدة المدى تبقى لسنوات تالية موضع مراجعة وفحص ونقاش لها في ذاتها، ولما أفرزته من نتائج زلزالية كانت الانقلابات وجهاً من وجوهها، وصعود حالات سياسية من الشارع تطرح نفسها كبديل طبيعي يَعِدْ بالنجاح في محل فشل الآخرين، أحد وجوهها الأخرى.
ويتذكر مخضرمون كثر، أنه في بعض محطات تلك التحولات كان النقاش يقارب الأداء القيادي الرسمي ويحوم حول تفاصيله (مثلما حصل غداة 1967) لكنه بقي نقاشاً قاصراً عن الأخذ حتى النهاية بتغليب منطق المحاسبة وتعطيل الهيجان العاطفي الناري والسريع المصاحب لطبائع أهل الشرق منذ بدء التاريخ.. وبالتالي ظلّت أيامنا وأحداثها اللاحقة وليدة نهج سياسي فكري قاصر ومزدوج: عند أهل السلطة من جهة والمتنطحين لتلك السلطة من جهة ثانية.
مع ذلك كانت وتيرة الأحداث تهدأ لفترات زمنية معقولة، لتفسح المجال أمام كل تلك الدربكة الفكرية والسياسية كي تأخذ مداها.. غير أننا ومنذ العام 2005 نعيش على وقع تلك الوتيرة السريعة التي تشبه عصرنا في الشكل، الأمر الذي يمنع البعض، على ما يبدو، من التمتع بترف التوقف للمراجعة الذاتية، أو التأمل في أدائه وخطواته، وفقاً للمصطلح التمويهي الدارج عندنا هذه الأيام.
الأمر ليس سهلاً على أصحاب الشأن، لكن الوتيرة السريعة لا تلغي المحاولة ولا تنفيها، والتورية في هذه الحالات تنفع كثيراً: ما يحصل يجب أن يدفع الكامشين على حاضرنا ومستقبلنا (شئنا أم أبينا) الى التدقيق أكثر فأكثر في أدائهم وحكيهم وخطواتهم، وإلى مداراة عقول الناس في الإجمال، وعدم الافتراض الفوقي بالقدرة على بيع الأوهام في سوق الحالمين، بل وعدم الافتراض بأن رمي النفس في النار هو الوسيلة الفضلى والوحيدة لإطفاء تلك النار(؟؟!).
ما يحصل في راهننا هو أن الارتباك يكاد يتسيّد على أداء يُفترض أن يكون متماسكاً، ويفترض أن يعرف أصحابه قبل غيرهم، أن محاكاة التاريخ لا تحتمل ركاكة لعبة البلف الآنية والسريعة والظرفية، كما لا تحتمل الاستناد السعيد الى قوة حقيقية لكنها تسبح في بحر مليء بمن هم أكثر قوة وأكثر شطارة، وأكثر قدرة على التأمّل والمراجعة رغم صخب الزمان وأوجاعه!
.. لا تنفع مكرمة التواضع في هذا الشأن، لأن المطلوب أداء يرتقي الى مستوى العقل، وهذا في الغالب سيدٌ لا يتواضع أمام محاولات نفيه.. والله أعلم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.