لم يلزق شيء في ذهني مثلما لزقت صورة ارييل شارون بأيام الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 بتفاصيلها ولياليها التي أحالتها الحرب الى مشعّات ضوء لا يخبو، بفعل الحرائق وقذائف الإنارة ودوي القصف من البر والبحر والجو.
ورغم اننا نشأنا وترعرعنا ونمت أعمارنا في ظل الحرب، وصارت مفردات النزاع العسكري والموت والخطف والنسف جزءاً من عادياتنا وثقافتنا التي تربينا عليها، فإن ذلك الاجتياح كان حالة استثنائية تامة في إطار تلك المقاييس وليس خارجها: حجم النار التي حملها وطول أيامه وكثرة ضحاياه ومدى دماره، ثم بعد ذلك في نتائجه التي أخرجت منظمة التحرير وكل ما يمت اليها بصلة من لبنان، وغير ذلك من ترجمات سياسية لم تُعمّر طويلاً.
هزّت تلك الأيام وعينا الشقي وأحالتنا الى شيء هجين يجمع بين الشرود الذي توصم به مشاريع متفلسفين فاشلين وأبرياء، وبين الشرود الذي يدلّ في بعض الحالات الى شيء من الهبل الناتج عن صدمة عنيفة لا يعرف صاحبها كيف يخرج منها... والحالتان على أي حال، أي شبهة التفلسف والهبل، آتيتان من جذر واحد وذاهبتان الى مكان واحد.
لكن أبعد من ذلك بقليل، أحالتنا أيام صيف العام 1982 الى تعلّم الغطس في الأسئلة الصعبة والخارقة لبديهيات كانت في أذهاننا لا تُخرق ولا تُناقش ولا تُجادل ولا تُحاجج، وذلك كتتمة لما هو معروف (أو غير معروف) من ان الهزائم المريرة والعنيفة تُرهف المشاعر، وتدفع بمكرمة التفكير الى مستويات غير مألوفة، أي انها تحديداً تقرّبها من الأرض وتحرمها من متعة التشبه بالحمام الطائر في العلالي!
إرتبط اسم شارون بكل ذلك الصلف والهيجان الميداني والفكري على حد سواء.
وصارت صورته في عُرفنا صنواً للشر الخالص، خصوصاً وأن جزئياتها كادت تكمل دورتها تماماً، بدءاً من دوره في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم دوره في ثغرة حرب العام 1973، وبعدها ممارساته الميدانية في غزة والضفة وصولاً الى إشرافه المباشر على اجتياح العام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا، وفوق كل ذلك ما نُشر وقيل عن مزاياه الشخصية الأخرى التي جعلت منه مشروع إنسان غير مكتمل.
لم تنتهِ سيرته السياسية والعسكرية إلا بتنفيذ ما حلم بتنفيذه على مدى عمره، وما حاول أن يفعله في اجتياح بيروت أكثر من مرة، أي قتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات... دخل عليه بالدبابات الى مقره في رام الله وهدمه فوق رأسه، ثم لما اكتشف ان ذلك الرجل أكبر من ذلك المقر، أشرف على تنفيذ طريقة أخرى لإنهاء الرمز الفلسطيني الأول ونجح في ذلك، لكن ليدخل هو تحديداً بعدها في غياهب ذلك العدم والعجز، وصولاً الى الموت بعد أن كان مات على سريره ألف مرة وأكثر.
...رحم الله شهداء صبرا وشاتيلا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.